عاجل عدن برس

wrapper

أخر الاخبار

آخر تحديث 2017/08/23الساعة10:14

ماهية نجيب .. الريادة - تأليف : نادرة عبد القدوس

Rate this item
(0 votes)

الإهداء :nadra2

إلى روح والدي الحبيب الذي علمني ماذا اقرأ وكيف اقرأ ومتى اقرأ .
وإلى والدتي - أطال الله بعمرها - التي ساندتني ولازالت سندا لي .
نادرة


الفهرسة :

1- المقدمة ------------------------------------------------- ص 1

2- الفصل الأول : تطور الوعي السياسي في عدن ------------- ص5

3- الفصل الثاني : الحركة النسائية في عدن البداية في التعليم --------------------------- ص12

4- الفصل الثالث : ماهية نجيب رائدة الصحفيات اليمنيات------- ص 23

5- الفصل الرابع : الميلاد والتحدي --------------------------- ص 27

6- الفصل الخامس : حقوق المرأة في فتاة شمسان -------------- ص 35

7- الفصل السادس : ماهية نجيب السفيرة ---------------------- ص 50

8- الفصل السابع : التطورات اللاحقة في فتاة شمسان ---------- ص 52

9- الفصل الثامن : شهادات ---------------------------------- ص 57


المقدمةmahya nageb



لم تكن فكرة الكتابة عن أول امرأة يمنية تتصدر قائمة النساء الرائدات في مهنة البحث عن الحقائق – وليس المتاعب – لمجرد الكتابة والسلام بالنسبة لي ، بل كانت عن عمد مع سبق الإصرار ، لأن السيدة ماهية محمد عمر جرجرة أو ماهية نجيب ( اسم الشهرة ) لم تكن امرأة عادية وإنما كانت واحدة من النساء اللاتي حفرن في الصخر وكان القدر حليفهن .
لقد داهمتني فكرة الكتابة عن ماهية نجيب منذ حوالي عشر سنوات وتحديداً عام 1992 م ، حين علمت أن جريدة مختصة بشئون المرأة والأسرة كانت تصدر في عدن واسمها " فتاة شمسان " وأن صاحبتها امرأة عدنية من أسرة معروفة اسمها ماهية نجيب . وتعجبت من هذه المعلومة التي أعطتني إياها رائدة تعليم البنات في عدن نور حيدر سعيد – رحمها الله – ( 1911 م- 2001 م ) حين أجريت معها لقاءً صحفياً في منزلها الكائن في مدينة الشيخ عثمان في محافظة عدن ؛ ذلك أن ا لمكتبة الوطنية في مدينة عدن ، التي دائماً ما كنت أذهب إليها وأجول في أرفف الصحف والمجلات اليمنية القديمة منذ عام 1981 م ، لم تحمل هذه الأرفف أي عدد من هذه الجريدة . كما أن الدراسات والأبحاث المختلفة عن تاريخ الصحافة اليمنية لم تشر إلى وجودها ، وهذا ما زاد دهشتي . ومنذ ذلك الحين والإصرار على فتح ملف " فتاة شمسان " وصاحبتها يؤرقني ويؤجج في نفسي الحماس . بيد أن سؤالاً واحداً كان يغلق عليَ الطريق نحو الانطلاق في هذه ا لمهمة ، ونحو البحث عن الأدلة التي ستسعفني في مهمة الكتابة عن امرأة لم يتطرق إليها أحد ولم ُتذكر في قائمة الرواد اليمنيين الأوائل في الصحافة اليمنية ، بل إن فتاة شمسان لم ُتذكر في دراسة تاريخ الصحافة النسائية العربية كانت قد نشرت في إحدى الإصدارات العربية منذ سنوات ، وكان السؤال المحير هو من أين أبدأ ؟
كان أول اتجاهي نحو أستاذي الأديب والصحفي الكبير القرشي عبد الرحيم سلام – رحمه الله – الذي اعتبرته المسؤول الأول عن هذه الدراسة ، واعتبرت نفسي تلميذته ، وقد قلتُ له ذلك وطلبتُ منه – إذا نجحتُ في مشروعي هذا- أن يكون هو من يراجعه ويجيزه للنشر، وقتذاك أكد لي بأنه سيقوم بتقديم الكتاب . لم تسعني الدنيا حينها فأستاذ عملاق يمنحني هذه الثقة ويؤازرني في مهمة لا أعلم بعد بدايتها ولا نهايتها أفهل أخذله ؟ بل إنه من فتح الطريق أمامي بمنحي مفتاح باب البداية حين أشار لي بالذهاب إلى الأخت الكبرى للسيدة ماهية نجيب وهي السيدة سعيدة باشراحيل – أطال الله في عمرها .
وكانت البداية :
وفي بيت الباشراحيل التقيت الأم الرؤوم والمرأة المناضلة الحاملة على كتفيها آمال وطموحات وآلام وأفراح السنين الطوال وذكريات ، بعضها أصابها الصدأ ، إلا أنها لم تستحق الإهمال . وكان لابد من لقاء ولديها الأمينين هشام وتمّام باشراحيل الذين أشارا إلي بالاتصال بالابنة الكبرى لماهية نجيب وهي السيدة نجوى نجيب ، ففعلتُ وعلمتُ الكثير والكثير عن ضالتي ولم تسعني الدنيا مرة أخرى - من شدة سعادتي - حين أرسلت لي ابنتها نجوى بواسطة ابنها زاهر مجلداً يحوي 12 عدداً من مجلة " فتاة شمسان " وهي أعداد العام الأول للصدور . وقد وعدتُها بأن أستمر في البحث والدراسة حتى النهاية ، خاصة بعد أن أكدت لي أن أخيها الأصغر محمد لديه صور أمها التي التقطت في مناسبات مختلفة كما إنه يحتفظ بأعداد كبيرة من المجلة لسنوات أخرى ، إلا أن الأخ محمد مقيم في المملكة العربية السعودية .
وهكذا ظللتُ انتظر الأخ محمد ليمدني بما عنده . ومر الوقت بطيئاً ورتيباً ، بيد أني لم أترك أحداً علمتُ إنه كان على صلة بالسيدة ماهية إلا وذهبتُ إليه ريثما يأتني الغيث . ومن الشخصيات التي التقيتها وأفادتني كيفما كان ، أول مذيعة في عدن عديله بيومي والمربية الفاضلة خديجة لقمان كما كان اتصالي الهاتفي بأخت السيدة ماهية الصغرى نادرة أفادني ببعض المعلومات كما إنني اتجهتُ إلى البحث بين صفحات الجرائد والمجلات الصادرة في الستينيات لعلي أكتشف شيئاً . ويمر الزمن حاملاً معه مآسٍ و أتراح حطمت بعض الآمال والتطلعات إذ كانت حرب الأخوة عام 1994 م كنفق مظلم ضاعت فيه الأحلام . وكان لابد لي ، كبقية المندهشين والمبغوثين من المثقفين ، من محاولة الوقوف مرة أخرى واستعادة التوازن والاستقرار النفسي ، والمحافظة على البقية الباقية وإلا انتهى العمر ولن يتسنى تحقيق ما تيسر من أفراح الزمن الرديء . ومن عجائب الأقدار التي تواترت بشكل مفاجئ أن يتوفى الله تعالى السيدة ناهد نجيب ، التي التقيتها مع أختها سهام في صنعاء واللتين حدثتاني عن والدتهما وأكدتا لي عن غزارة المعلومات عند أخيهما محمد ، تلتها بفترة قصيرة أختها الكبرى نجوى . وقد كان لهذين الحدثين أثراً سيئاً في نفسي ، وتسببا في إصابتي بالإحباط ومنعي عن مواصلة العمل في المشروع .
وأخيراً جاء الأخ محمد ولكن في وقت كان القلب متخماً بالأسى والحزن الكبير على الابنتين اللتين كنت أتمنى أن تقرآ عن والدتهما .
أحضر لي الأخ محمد أعداد أربع سنوات من مجلة فتاة شمسان ، وكان شديد الاهتمام بالمشروع ووعدني بمدي بالصور المناسبة لوالدته وبأية مساعدة قد أحتاج إليها . وبعدها انغمستُ في ثنايا فتاة شمسان ورحتُ التهم ما بين السطور التي كانت تعبق برائحة الزمن الجميل الذي عاشته المرأة العدنية التي لم أقرأ عنها من قبل . المهم وجدتُ ضالتي وانكببتُ على العمل لإنجاز ما وعدت به أستاذي عبد الرحيم سلام القرشي . وكنت أعود إليه كلما أحتاج إلى مشورته وكان دائماً الأذن الصاغية والقلب الكبير الذي يتسع للمناقشة وتبادل الآراء ، وقد تمتع رحمه الله بالروح الطيبة المرحة وبهدوء الأعصاب وبلباقة الحديث ولم يكن يحب الصوت العالي أثناء الكلام ، ولكن غدرت صروف الزمان وهدّه المرض اللعين الذي لم يتركه إلا جثة هامدة وكان ملفه الطبي الذي حمل أوراقاً طبية تؤكد على ضرورة الإسراع في علاجه في الخارج لم يجد طريقه إلى المسؤولين في البلاد للمصادقة عليه ، بعكس آخرين لم ولن يصلوا إلى قامة القرشي ولكنهم وجدوا من يرسلهم إلى الخارج للعلاج لمجرد الإصابة بالصداع أو بالأنفلونزا ، وهذه صورة من حماقات الزمن الرديء .
وهكذا يعود القدر إلى معاكسته لي ويسد أمامي أبواب الأمل في إنهاء المشروع . وتوقفت مرة أخرى عن الكتابة والبحث . وكنت في تلك الفترة قد علمت أن رجلاً آخر له دور كبير في حياة فتاة شمسان وقد ذهبت إليه قبل أن يغادر القرشي دنيانا ، كان ذلك هو الأستاذ القدير المهندس والكاتب والصحفي طه أمان الذي زرته في مكتبه الهندسي والذي رحب بي وبمشروعي وأمطرني ببعض المعلومات الهامة بل وفاجأني في الزيارة الثانية بإعطائي صورتين للسيدة ماهية نجيب التقطتا في حفل شاي أقيم في مبنى محطة عدن للإذاعة على شرفها قبيل سفرها إلى مصر في مهمة عمل ، وكانت حينها السيدة ماهية تساهم في إعداد وتقديم برنامج ربات البيوت الإذاعي ، ويظهر في الصورة معها هو والإعلامي الكبير علوي السقاف والإعلامي الكبير حسين الصافي مدير الإذاعة آنذاك – رحمهما الله . وكم كانت سعادتي كبيرة وأنا أرى لأول مرة صورة السيدة ماهية .
وهممتُ بعد حين من الزمن إلى العودة إلى الكتابة والاستمرارية فيما بدأته وإن كانت المهمة صعبة بعد رحيل مؤازري وأستاذي ولا أنسى في تثبيت همتي وانتشالي من يأسي ودفعي بقوة حتى النهاية رفيق حياتي زوجي المحب الذي ذلل الكثير من المصاعب النفسية التي كانت تداهمني بين الحين والآخر نتيجة عوامل مختلفة تتخلق في محيط العمل الصحفي والحياة بشكل عام ، كما لا أنسى الأخ والصديق الوفي لنا الاثنين الأديب والصحفي عبد الرحمن عبد الخالق الذي دائماً معاتبته لي على كسلي – غير الإرادي – بمثابة المطرقة التي تدق رأسي وتعيد إلي النشاط وتزيل عني بعض دواعي اليأس .
هذه صورة مختصرة لظروف البحث والتقصي عن الرائدة الصحفية والإذاعية ماهية نجيب التي رسمت الصورة المشِّرفة للمرأة العدنية المناضلة في زمن الحظر على المرأة الكشف عن هويتها . وقد تجلت عبقريتها في الروح المتناقضة التي تميزت بها , فهي في ذات الوقت المرأة الهادئة في حياتها والصاخبة في ثنايا مجلتها الوحيدة في الجزيرة العربية والخليج العربي ، الخجولة أمام الآخرين والجريئة في مناقشة أدق التفاصيل في حياة المرأة على صفحات فتاة شمسان ، المتنازلة عن حقها في الاهتمام بنفسها في البحث عن قشور الحياة والعنود في مواجهة تحديات الواقع الأليم الذي كانت تعيشه المرأة في المجتمع الذكوري الصرف .
وبهذه الدراسة المتواضعة عن السيدة القديرة ماهية نجيب لا أعتبر نفسي قد وصلت إلى الكمال في تسجيل وقائع حياتها الشخصية والعملية , لأن الكمال لله عز وجل وحده . بيد أني ما قمت به سوى تجميع وتسجيل ما رمى به القدر أمام عيني حول هذه المرأة التي أحسستُ بها وعانيتُ معها بعد أن اكتملتْ صورتها ودرستُ شخصيتها الفذة وتيقنتُ أنني لن أهنأ حتى أكشف للقارىء حقيقة امرأة يمنية وطنية خاضت غمار النضال التحرري ضد الظلم والجهل ونادت بحرية المرأة الإنسان بعزيمة قوية وبثقة لا تتزعزع وبإيمان أكيد بالغد المشرق . وكان نضالها بالكلمة دون سواها .. وكان منبرها مجلتها التي ترأست تحريرها بجدارة وهي التي لم تتحصل على التعليم المدرسي أو الثانوي لكن هي الموهبة التي حباها الله بها وهو الذكاء الفطري الذي خصها سبحانه وتعالى به , فهو يهب العلم من يشاء , وقد قالت عن نفسها- عندما سؤلت يوماً إن كانت درست الصحافة- " تعلمتها من الجو الصحفي الذي أعيش فيه فشقيقي عبد الرحمن جرجرة صحفي ومحرر صحيفة " اليقظة " الغراء واثنتان من شقيقاتي تزوجتا على صحفيين ومالكي صحف وزوج ابنتي صحفي معروف . ومع هذا فقد كنت محررة صفحة المرأة في النهضة ثم كنت أكتب مقالات نسائية في صحيفة اليقظة الغراء وكنت من أوائل السيدات العدنيات اللائي تحدثن من محطة إذاعة عدن عن الصحافة النسائية . وكنت دائماً أتابع باهتمام الصحافة النسائية في البلاد العربية لاسيما مصر وقرأت معظم الكتب التي ألفها بالذات الدكتور طه حسين..." . وقد متعها الله بروح طيبة تجد الإقبال حيث حلت كما حكت عنها صديقتها الصدوق السيدة نفيسة الصريطي .
عشمي أن تحضي هذه الدراسة باهتمام القارىء والمهتمين بتاريخ الصحافة اليمنية وبتاريخ الحركة النسائية اليمنية . وأدعو إلى إضافة أية معلومة لعلني أغفلتها, دون أن أدري, و تصحيح أية معلومة لعلني , دون قصد , سجلتها ......... والله ولي التوفيق .

المؤلفة / نادرة عبد القدوس
عدن في
12يناير2003م


الفصل الأول


تطور الوعي السياسي في عدن

ليست عدن مدينة كأي مدينة يمنية ، ولم تكن كذلك منذ نشأتها. فعدن – وقد اختلف الباحثون والرحالة والمؤرخون على مر العصور حول معنى تسميتها – كانت ولا زالت وستظل " عين اليمن " كما وصفها العرب قديماً ، وملتقى الحضارات والثقافات العالمية والأرض التي لم يلد رحمها بعد أسرار مكنونة .
وتحدثنا الكتب التاريخية المختلفة عن أحداث تاريخية شتى شهدتها عدن منذ القدم ، وهي غيض من فيض ، إلا أنها تكشف لنا بجلاء مكانة هذه المدينة التاريخية وأهميتها منذ آلاف السنين.
وفي سياق الأحداث والتطورات التاريخية في مختلف صعد الحياة في المعمورة كان لعدن دور بارز في مجملها . فعدن ذات الموقع الجغرافي الاستراتيجي المتميز كانت دائماً وأبدا محط أطماع الدول الأجنبية التي ما فتأت تتكالب على مينائها للسيطرة عليه بهدف التحكم في الطرق التجارية . وقد تعرضت هذه المدينة الصغيرة " حسناء الشرق " ، كما وصفها البعض ، للعديد من المحاولات الاستعمارية المتتالية لعل أولها محاولة الرومان غزوها لعدن سنة 24 قبل الميلاد بعد احتلالهم لمصر . وقد كانت للمصريين القدامى قبل احتلال الرومان لبلادهم علاقة تجارية وطيدة مع التجار اليمنيين المسيطرين على باب المندب . بيد ان حملة الرومان من مصر إلى اليمن للغزو والاحتلال باءت بالفشل الذريع وعادت أدراجها – بعد تكبدها الخسائر الفادحة – إلى مصر تجر ورائها أذيال الخيبة . وكذلك كان مصير البرتغاليين والهولنديين والإيطاليين وغيرهم ، حتى تمكنت بريطانيا من احتلال عدن والسيطرة على مينائها في 19يناير عام 1839م لتسجل بهذا الغزو بداية مرحلة جديدة من حياة عدن والمناطق اليمنية الأخرى .
لقد أشار الكابتن هنس ( قائد الحملة الاستعمارية ) إلى أن " مرفأ عدن العظيم يمتلك من القدرات ما لا يملكه أي ميناء آخر في الجزيرة العربية " . وقد جاءت استنتاجات هنس تلك بعد سنوات طويلة من انفتاح عدن التجاري أمام شركة الهند الشرقية البريطانية - التي تأسست في عشرينيات القرن السابع عشر- بعد إبرام اتفاقية تجارية بينها وبين سلطان لحج أحمد عبد الكريم العبد لي عام 1802م والتي كانت بمثابة الطعم لاصطياد الفريسة . بل أن هنس قد نوه أيضا إلي أهمية عدن قبل الاحتلال بسنوات عديدة .
وكانت عدن الجوهرة التي ترصع بها التاج البريطاني ، لذا فقد كان من آخر المستحيلات أن تترك بريطانية عدن لأهلها ، وتشبثت بها كالذئب المتشبث بفريسته لكي لا ينتزعها أحد منه . فقد تصدت لكل المحاولات الاستعمارية الأخرى المنافسة لها ، وبالذات محاولة العثمانيين الدخول إلى عدن بعد احتلالهم الضالع ولحج والشيخ عثمان أبان الحرب العالمية الأولى ، والتي تم خلالها توقيع اتفاقية الهدنة بينهم وبين البريطانيين تم بموجبها تقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ استعمارية بين الطرفين وذلك عام 1914م . وبهذا سجل التار يخ بدء تقسيم اليمن إلي شطرين . وحظيت عدن بمكانة بارزة بين دول الكمنولث البريطاني وكان لابد من فصلها عن المناطق اليمنية لخد مة الأغراض الاستعمارية بحيث لا يعكر صفو السلطات البريطانية ما يجري خارج المستعمرة والتفرغ لمصالحها السياسية الداخلية والقضايا الأمنية فيها . وقد ساعد ذلك على تميز وضع عدن وصبغها بالطابع الأوروبي والأجنبي من خلال فتح أبواب الهجرة إليها من بلدان الكمنولث وأبرزها الهند والصومال مما ألقت بظلالها على أبناء عدن وتجلى ذلك في بعض العادات والتقاليد وأساليب التعامل بين الناس وفي استخدام بعض المفردات في اللهجة العدنية وحتى في إدخال بعض أصناف الطعام إلى المطبخ العدني ، ولا ننسى كذلك الطابع الأوروبي وغير الأوروبي في البناء المعماري بشكل عام . إلا أنه وجب القول أن عدن عرفت التعايش مع الأجناس الأخرى منذ غابر الأزمنة ، وقد ذكرت في التوراة وفي النقوش الموغلة في القدم .
كانت السلطات البريطانية ترمي من وراء فتح أبواب الهجرة الأجنبية إلى طمس الهوية اليمنية ومسخ التراث اليمني ، وليس أدل على ذلك من قيامها بمنح فرص تسنم المراكز القيادية في الوظائف الحكومية للأجانب أما اليمنيين فحسبهم العمل ككتبة واداريين وهي وظائف لا تحتاج إلي شهادات عليا أو مجهود ذهني . كما لجأت السلطات الاستعمارية – بهدف إبعاد عدن عن بقية المناطق اليمنية – إلي زرع الفتن بين أبناء الوطن الواحد وتكريس الكراهية والحقد فيما بينهم . فكان لا يسمح لابن الريف وشمال اليمن العيش في المستعمرة إلا بتصريح من السلطات الحاكمة ، كما لم يكن مسموحاً لهم الالتحاق في المدارس الحكومية لطلب العلم .
لقد أحكمت السلطات البريطانية قبضتها على المستعمرة عدن خاصة وعلى الجنوب عامة منذ بداية ثلاثينيات القرن العشرين ، فقد قسمت الجنوب العربي – كما كان يسمى – إلى ولايات وامارات عدة ضمن ما أسمتها ب( المحميات الشرقية والمحميات الغربية) . ففي الوقت الذي كانت عدن تدار من قبل وزارة المستعمرات البريطانية ، بعد انفصالها عن الهند عام 1937م ، كانت المحميات تدار من قبل مستشارين بريطانيين تقوم بتعيينهم الوزارة ذاتها . وكان هؤلاء المستشارون هم المتنفذين في أمور البلاد والعباد إذ لم يكن بإمكان الأمراء والسلاطين في هذه الإمارات والسلطنات إصدار الأوامر والأحكام إلا بعد الرجوع إلى المستشارين . وقد تم توقيع أولى المعاهدات الاستشارية مع السلطان القعيطي في المحمية الشرقية عام 1937م وآخرها مع سلطان لحج العبد لي عام 1952م .
في ظل تلك الأوضاع عاش الإنسان اليمني يعاني الأمرين ، إمامة مستبدة وما صاحبها من جهل وتخلف في شمال اليمن واحتلال أجنبي يعبث بمقدرات البلاد في الجنوب . بيد أن رغم كل ذلك فان بصيصاً من الأمل كان يشع هنا وهناك استطاع أن يعم أرجاء الوطن مبدداً ظلمة العهد البائد ومحرراً للأرض والإنسان اليمنيين .
لم يكن بمقدور السلطات البريطانية منع إنشاء المدارس الأهلية ولا دور العرض السينمائي ولا الصحف والمجلات المحلية أو انتشار المطبوعات الصحفية العربية والأجنبية ولا خروج أبناء عدن – وهم قلة – إلى الخارج طلباً للعلم وذلك بغية التخفيف عن كاهلها مسؤولية إنشاء المدارس والاهتمام بأبناء المناطق اليمنية الأخرى من ناحية وإظهار أسلوب حكمها با لمظهر الديمقراطي وإفساح المجال للحريات الثقافية والتعليمية والسياسية حيث سمحت بوجود بعض الأحزاب السياسية والوطنية والجمعيات الأهلية والخيرية المختلفة .
كانت تلك العوامل وغيرها من العوامل الأرضية الخصبة التي ساعدت على تطوير الوعي السياسي والثقافي في عدن . أما أبرز العوامل الأخرى فهي إنشاء مصافي الزيت وبناء عدد من المدارس الحكومية في أربعينيات القرن العشرين والعقدين التاليين منه و تأسيس محطة عدن للا ذاعة عام 1954م والتلفزيون عام 1964م .
تأثر أبناء عدن بالثقافات الوافدة من الخارج وبالذات بالثقافتين الهندية والمصرية وكانوا يقبلون عليهما بحب وبشغف كبيرين فالسينما بدأت في ثلاثينيات القرن العشرين بمبادرة من بعض أبناء عدن وعدد من أبناء الجاليات الأجنبية المقتدرين وكانت في بداياتها تعرض الأفلام الهندية والإنجليزية حتى منتصف الأربعينيات حين بدأت توفد الأفلام المصرية زد إلى ذلك أن منتصف الأربعينيات من القرن العشرين شهد أيضاً اكتساح الصحف المصرية أسواق مدينة عدن ، وهي المرة الأولى التي يتعرف فيها أبناء عدن على الإعلام العربي . وقد أضحى الإعلام المصري النافذة التي كان يطل منها أبناء عدن وغير أبناء عدن على العالم الخارجي . أما تأثيراتها الثقافية و الإعلامية فقد تجلى في احتذاء عدد من أصحاب دور الصحف و النشر حذو الصحف المصرية في طريقة الإخراج و في أسلوب التناول للقضايا المختلفة ، بل أن البعض أخذ يستخدم بعض المفردات في اللهجة المصرية . وهنا وجب التنويه إلى أن عدداً من أبناء عدن كان قد تعرف على الإعلام المصري من مصدره حيث نهل من خبرائه في مصر حين ذهب هناك لتلقي العلم في مجال الصحافة أو في تخصصات أخرى فعاد إلى عدن حاملاً في جعبته كنوز المعرفة والوعي الثقافي و السياسي . وكان أن أحدثت صحيفة " فتاة الجزيرة " ثورة في عالم الصحافة اليمنية إذ صدر العدد الأول منها في 1يناير1940م ، وكانت أول صحيفة عربية – بمفهوم المطبوعة الصحفية – في عدن يتلقفها القراء بشغف كبير يوم الأحد من كل أسبوع . وبفتاة الجزيرة فتح صاحبها ورئيس تحريرها محمد علي لقمان المجال أمام العدد الآخر من أبناء عدن المثقفين لإصدار الصحف والمجلات الثقافية و الاجتماعية والدينية والسياسية اليومية والأسبوعية والشهرية . الجدير ذكره أن النوادي الثقافية والأدبية التي تشكلت قبل ذلك وبالذات في عشرينيات القرن العشرين قد لعبت دوراً هاماً في إذكاء الروح الوطنية وبث الوعي بين صفوف الشباب العدني العربي ك( نادي أبي الطيب المتنبي) والذي كان يسمى ب( مخيم أبي الطيب ) ونادي الشباب الثقافي ونادي الإصلاح العربي ونادي الأدب العربي وغير ذلك من النوادي والجمعيات الثقافية والأدبية و الخيرية .
كما أسلفنا الذكر فان خروج عدد من أبناء عدن إلى الخارج للدراسة – وان كان ضئيلاً – كان له الأثر العظيم في التمهيد إلى تغيير الواقع في المدينة وفتح آفاق جديدة رحبة واستشرافية . وقد كانت الفرص مواتية للشباب اليمني سواء شمال الوطن أو من جنوبه للالتقاء في الخارج وبالذات في مصر والتفاهم فيما بينهم و الوصول إلى قناعة أكيدة بضرورة التخلص من الوجود الاستعماري والامامي في اليمن ، فقاموا بإنشاء تنظيم شبابي سياسي أطلقوا عليه " كتيبة الشباب اليمني " في 28 سبتمبر1940م وكانت القاهرة الحاضنة لهذا الوليد الوطني الأول . وكان من طلائع هؤلاء الشباب محمد محمود الزبيري ومحمد علي الجفري وأحمد الحورش وأحمد محمد نعمان والذين بعودتهم إلى اليمن ( صنعاء و عدن ) سجلت أولى إرهاصات الحركة الوطنية اليمنية . فإلى صنعاء عاد الشابان الوطنيان البارزان محمد محمود الزبيري و أحمد محمد نعمان و معهما عدد من الدارسين الشباب وحاولوا تحقيق حلمهم الذي رسموا خطوطه في القاهرة إلا انهم فشلوا في ذلك أمام جبروت الإمام يحي بن حميد الدين والذي خشي أفكارهم التنويرية و مطالبهم في التغيير والإصلاح فزج بعضهم في غياهب السجون وفر البعض الآخر إلى عدن . وقد سنحت الفرصة للزبيري في الهروب أثناء سجنه في تعز . وكانت عدن ملاذه وملجأه الآمن حيث واصل دعواته وما فتئ يطالب الإمام بإجراء التغيير والإصلاح في البلاد و الخروج من شرنقة التخلف و الجهل .
وفتحت عدن أحضانها لأبناء شمال اليمن المستنيرين الفارين من الطاغية الكهنوتية ، واستقبل أبناؤها بكل حب وتقدير هؤلاء الوطنيين الذين بمقدمهم إلى الجنوب تنبه أبناء عدن المثقفين إلى واقع اليمن من شرقه إلى غربه و من شماله إلى جنوبه ، وبدأت الحركة الوطنية اليمنية تترعرع شيئاً فشيئاً في عدن التي فيها ولد أيضاً حزب الأحرار اليمني والجمعية اليمنية الكبرى ، وتحولت المنتديات الأدبية والثقافية إلى تجمعات وطنية وسياسية حيث كانت تدار النقاشات السياسية لشرح أوضاع الشعب اليمني في جزئه الشمالي . وتوالت سريعاً وبتدفق الإصدارات الصحفية الأهلية و الناطقة بلسان حال التنظيمات والتجمعات السياسية المختلفة . وتنبهت السلطات البريطانية إلى خطورة الوضع وخشيت أن تطال هذه الحركة كيانها فسارعت إلى رفع سياط التهديد والوعيد فقامت بسن قانون يقضي بتقييد حرية الفرد وذلك عام 1949م حيث يمنع أي فرد من مراسلة أو كتابة أو تدوين أية معلومات أو رسم خارطة أو تدوين كلمة تفيد العدو ( حسب ما ورد في القانون) ومن يرتكب هذا الجرم يعاقب بالسجن لمدة 14 سنة. وقد استنكر مثقفو ووطنيو عدن هذا القانون عبر العديد من الصحف والمجلات ورفضوه " جملة وتفصيلاً" .
ونتيجة للعوامل الخارجية في الأربعينيات و بالذات بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية برزت معالم الحركة الوطنية اليمنية. وجرت الأحداث متسارعة على المستويين الدولي والعربي والمحلي حيث خرجت بريطانيا منتصرة من الحرب وتعزز دور الاتحاد السوفيتي في معظم أرجاء المعمورة وكان له عظيم الأثر على كثير من الحركات السياسية في الوطن العربي . وقد أدى تأسيس المنظومة الاشتراكية وتعاظم نفوذها إلى توسيع مدارك الشباب العربي و بث الوعي بين صفوفه وتأجيج رغبته في التخلص من نير الاستعمار والاضطهاد الأجنبي واستعداده للنضال المستميت من اجل الاستقلال والتحرر . كما كان للطبقة العاملة العالمية في مختلف البلدان الرأسمالية دور في بروز الحركة الوطنية العالمية كقوة تهدد الوجود الاستعماري. وعلى المستوى العربي فقد كان لثورة 23يوليو1952م في مصر تأثيرها البالغ على الشعوب العربية الرازحة تحت نير الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي ومنها الشعب اليمني الذي بدأ ينظم صفوفه بوعي وإدراك كبيرين. فقد تأسست في مطلع الخمسينيات عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية في مدينة عدن ، كما ظهرت التجمعات الاجتماعية والدينية . وكان أول تنظيم سياسي تأسس في عدن عام 1950م وهو رابطة أبناء الجنوب . وحدد التنظيم مطالبه في وحدة الجنوب العربي – ويقصد به عدن والمحميات – إبان اشتداد الدعوة إلى إبقاء عدن للعدنيين والتي تبنتها جمعية عدن للعدنيين . ثم جاء ظهور الجبهة الوطنية المتحدة في خضم انتخابات المجلس التشريعي عام 1955م ، وقد لعبت الجبهة دوراً بارزاً في صفوف الطبقة العاملة اليمنية التي بدأت بالنمو بعد تشغيل مصافي الزيت البريطانية. وكان لصحيفة" البعث" الناطقة بلسان الجبهة الوطنية تأثير كبير على المال والمواطنين الذين تفاعلوا مع ما تنشره من مواد لا تخلو من الحماس الوطني . كما أسهمت الجبهة الوطنية المتحدة في تشكيل النقابات وتنظيمها ودعم الإضرابات العمالية ومناهضة السياسة الاستعمارية في تجزئة الوطن اليمني ومحاربة العناصر والأحزاب الموالية للسلطات البريطانية. كما قاطعت الجبهة انتخابات المجلس التشريعي عام1955م وقيام اتحاد إمارات الجنوب واتحاد الجنوب العربي.
كما شهدت فترة الخمسينات تأسيس المؤتمر العمالي في عدن عام1956م بعد مسيرة نضالية طويلة خاضها العمال قبل ذلك التاريخ وسقط منهم العديد من الشهداء برصاص الإنجليز . وكانت للحركة العمالية اليمنية صدى واسع في الداخل والخارج اذ عرفت بأنها "أقوى تنظيم عمالي في شبه الجزيرة العربية والخليج" .
وقد استطاعت الحركة العمالية أن تحقق للعمال مطالب عديدة منها زيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها من المكاسب الهامة والعظيمة . كما نجح العمال في معارضتهم للعماله الأجنبية المهاجرة إلى عدن بعد إعلانهم الإضراب عام 1958م . كما نجحوا في تصديهم لقانون العلاقات الصناعية الذي يمنع استخدام الإضراب من قبل العمال والصادر عام 1960م بإعلانهم الإضراب عن العمل وكان لذلك الإضراب صدى عالمي حيث أيد حركة عمال اليمن الاتحادات النقابية في العالم .
لعبت الطبقة العاملة اليمنية دوراً عظيماً في إقلاق مضاجع السلطات البريطانية إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م إذ قامت مظاهرات ضخمة في شوارع عدن شارك فيها عدد كبير من المواطنين ، وامتنع عمال ميناء عدن عن العمل وتفريغ وشحن السفن القادمة من بريطانيا ، كما امتنع المواطنون عن التعامل مع السياح البريطانيين و الفرنسيين وهذا بالنسبة للأحداث في الجزائر والعراق ولبنان حيث تضامن الشعب اليمني مع الشعوب العربية مؤازرتها في نضالها ضد الاحتلال الأجنبي .
حينذاك تشكلت العديد من التنظيمات السياسية المناهضة للوجود الاستعماري كاتحاد الشعب الديمقراطي (1958م ) الذي كان يحمل أفكاراً يسارية ، وقد دعا إلى النضال ضد الاستعمار البريطاني وتحقيق الوحدة اليمنية الديمقراطية والوحدة العربية . وابان الكفاح المسلح عاضد نضال الجبهة القومية التي أعلنته عام 1963م – عام تأسيسها- وكانت الجبهة انسلخت عن حركة القوميين العرب التي تأسست عام 1959م . كما تأسس حينها حزب الشعب الاشتراكي وحزب الطليعة الشعبية( بعثي) وجبهة التحرير وغير ذلك من الأحزاب.
خمسينيات القرن العشرين شهدت تزايداً مكثفاً للمدارس الابتدائية الحكومية والأهلية وبروز دورها بشكل أكبر عن السنوات الماضية ، حيث تزايد عدد التلاميذ من الجنسين . كما شهدت تلك الفترة افتتاح عدد من المدارس الثانوية وهي : كلية عدن وثانوية البنات في خور مكسر . وتم كذلك افتتاح أول معهد فني لاعداد الفنيين والحرفيين وجاء تأسيس إذاعة عدن عام 1954م إضافة جديدة في الحياة الثقافية والإعلامية في عدن . لذلك كله اعتبر منتصف القرن العشرين في عدن منعطفاً تاريخياً في حياتها .
كانت حصيلة النشاطات التي قادتها الجمعيات والمراكز الثقافية والخيرية في عدن انتشار التعليم واعتماد اللغة العربية في المدارس الثانوية كلغة أساسية بدلاً عن الإنجليزية التي كانت معتمدة فيها وكان ذلك جزءاً من السياسة الاستعمارية الهادفة إلى طمس الهوية اليمنية وتمزيق نسيج الوحدة الوطنية اليمنية .
في سلسلة الحراك الثقافي و السياسي والاجتماعي في عدن كانت المرأة اليمنية ليست ببعيد عنها ، فقد لعبت دوراً بارزاً منذ الثلاثينيات تمثل في طلب العلم وفي تعليم الأطفال – وان كان محصوراً في الكتاتيب – القران الكريم و القراءة والكتابة والحساب ، وكان ذلك كبداية أولي حتى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات حيث توسعت رقعة المشاركات النسوية في مختلف المجالات التعليمية والسياسية والثقافية وذلك من خلال الانخراط السري في بعض التنظيمات السياسية المناهضة للاحتلال حيث كانت تتشكل الخلايا النسائية السرية من ربات البيوت وفتيات المدارس الثانوية وفي بعض الملتقيات النسائية الخيرية و الاجتماعية .
وبنظرة سريعة إلى صفحات تاريخ عدن في مرحلة الخمسينيات حتى منتصف الستينيات سنجد كم كانت هذه المدينة جميلة وزاهية وكم كانت عظيمة في احتضانها للتنوع الثقافي والحضاري وللمشارب السياسية والفكرية المختلفة . وكم كانت تتسع للتفاعلات الثقافية والسياسية دون تبرم أو ضيق فقد عرفت بأنها كانت جرناً يغلي ليصلي المحتل بنيران المناضلين اليمنيين حتى تحقق الاستقلال الوطني في 30نوفمبر عام 1967م .



الفصل الثاني

الحركة النسائية في عدن
البداية في التعليم :

لم تكن المرأة العدنية بمنأى عن مجريات الأمور في مجتمعها العدني الصغير . وعلى الرغم من إعاقة بعض العادات والتقاليد للمرأةعن مساواتها بالرجل في مختلف مناحي الحياة إلا أن عدداً من الشخصيات المستنيرة والمثقفة لم تترك بناتها عرضة للجهل والتخلف فعلمتهن مبادئ التعليم كاللغة العربية والقرآن الكريم والحساب وعندما فتحت المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، الحق عدد ضئيل من الأهالي بناته بهذه المدارس . بيد أن مستوى التعليم ، آنذاك ، بشكل عام في مدينة عدن لم يكن ذا أهمية لدى السلطات البريطانية إذ أنها لم تكن تفكر بنشر العلم وانما فتحت الدارس القليلة لتعليم القراءة والكتابة للاستفادة من مخرجاتها في الوظائف الحكومية البسيطة لتسيير شئونها الإدارية ليس إلا .. لذا قوبلت هذه السياسة بموجة من الانتقادات والرفض خاصة من قبل عدد من الشخصيات العدنية المستنيرة والواعية ، وهي التي طالبت برفع مستوى التعليم وتوسيع رقعته ليشمل المستوى العالي ، وطالبت كذلك بزيادة عدد المدارس . وفي ذات الوقت نادى أبناء عدن بتعدين الوظائف القيادية الحكومية وعدم تضييق نطاقها ليتمتع بها الوافد الأجنبي دون المواطن العدني ( ابن البلد ) صاحب الحق الأول في شغل هذه الوظائف. لذا رفع شعار" عدن للعدنيين " وبالذات في ذروة الوعي السياسي ونمو عدد الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية الاجتماعية والثقافية في سنوات الخمسينات والستينات من القرن العشرين .
لعبت المساجد دوراً هاماً في نشر العلوم الدينية والدنيوية في مدينة عدن وظلت فاتحة أبوابها للحلقات التعليمية والعلمية حتى نهاية الستينات من القرن العشرين . وكان الأهالي يرحبون بتعليم أبنائهم في المساجد قبل إلحاقهم في المدارس الحكومية ، حيث يتلقى الأطفال دروساً في قراءة القران الكريم وحفظه إضافة إلى مبادئ الحساب واللغة العربية . وكان الطفل الذي يختم القران الكريم بأجزائه الخمسة يُحتفي به ويتم توزيع الحلوى والصدقات والمشروبات كالقهوة أو الحليب على الأصدقاء والأقارب والجيران .
إلا أن عدداً من البيوت في عدن كان يقوم أيضاً بتدريس القرآن الكريم للأطفال وقد نالت هذه البيوت حظاً من الشهرة في هذا المجال ، وكانت تسمى ب ( المعلامة ) أي الكتّاب وتعرف بإسم صاحبها أو صاحبتها ، كما كان يُدرس فيها مادتي الحساب و اللغة العربية . ومن هذه البيوت أيضاً ما كانت تُعرف ب( المدرسة ) لما كانت تتمتع به من شدة وحزم في أسلوب التدريس . من هذه المدارس مدرسة الشيخ محمد المكي ومدرسة الفقيه حيدر سعيد ومدرسة الشريفة خديجة ومدرسة الست حليمة حامد ومدرسة الست نور حيدر ( ابنة الفقيه حيدر سعيد ) . وقد ذاع صيت هذه المدارس في أرجاء مدينة عدن وتخرج منها العديد من الشخصيات التي كتب لها التوفيق في الحياة السياسية والثقافية والأدبية أمثال الأديب الكبير محمد عبده غانم الذي درس في سني حياته الأولى في مدرسة الفقيه حيدر سعيد ، كما تخرجت منها أيضاً ابنتا الفقيه حيدر نور ولولا اللتان أسستا أول مدرسة أهلية للأطفال في منزلهما في منطقة الشيخ عثمان . وعندما انتقلت الابنة نور إلى بيت الزوجية أذن لها زوجها بفتح مدرسة للبنات في البيت ودفع بها نحو مواصلة رسالتها التعليمية حتى بداية الثلاثينيات إذ طلبت منها الإدارة البريطانية في عدن _ بعد أن ذاع صيت مدرستها الأهلية _ أن تدير مدرسة حكومية للبنات وفي ذات الوقت تكون المدرسة فيها ، كان ذلك في عام 1934م حيث أُنشئت أول مدرسة ابتدائية حكومية للبنات في "الشيخ عثمان" . وكان أن أهدى هذه المدرسة للحكومة التاجر الفرنسي المعروف في عدن آنذاك ب( البس) وقد أطلق على المدرسة ( المدرسة الشمالية الابتدائية للبنات ) لوقوع منطقة الشيخ عثمان في شمال المستعمرة عدن .
بذلت السيدة نور حيدر وأختها الصغرى لولا جهوداً مضنية من أجل إقناع أهالي المنطقة بإلحاق بناتهم في المدرسة الناشئة ، فكانت تطرق البيوت وتزور أهاليها وتقوم بشرح أهمية التعليم للبنت وضرورته لتنشئة أجيال مستنيرة ومتسلحة بالعلم والمعرفة وما يمثل التعليم للبنت من حماية في حياتها . امتلكت السيدة نور حيدر قوة الإرادة وصدق الإيمان بقضية تعليم البنت ، فقد كانت من أجل تحقيق حلمها الإنساني تحملت مشاق السير على أقدامها لساعات طوال متنقلة من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع من ساعات الصباح الأولى إلى الظهر ثم تعيد الكرة من العصر إلى الساعات الأولى من الليل فتعود إلى بيتها وقد نال منها التعب والآلام في قدميها ، واستمرت على هذا المنوال أياماً طويلة حتى تمكنت من إقناع عدد ضئيل من الأهالي لا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة . إلا أن هذه النتيجة كانت تعد إيجابية حينذاك في ظل مجتمع يسوده الجهل والتخلف والنظرة القاصرة تجاه المرأة التي كانت تنحصر وظيفتها الاجتماعية في الزواج والإنجاب وتربية الأطفال ورعاية شئون بيتها وزوجها فقط ، حتى انه كان يقال " تخرج المرأة من بيت أبيها إلى بيت زوجها و من بيت زوجها إلى القبر" . وفُتحت المدرسة بالعدد الذي لم يتعدى الثماني من ا لبنات كانت إحداهن ابنة أختها لولا والتي أصبحت من الشخصيات الإعلامية البارزة في عدن خاصة وفي اليمن عامة وهي الإذاعية السيدة عديله بيومي . ومّر العام الأول ليزيد العدد قليلاً في العام التالي حتى وصل إلى عشرين تلميذة عشية الثلاثينيات ثم قفز الرقم إلي أكثر من مائة تلميذة في بداية الأربعينيات .
كان لابد من توفير مدرسات في المدرسة الشمالية بعد هذا التوسع في الصفوف الدراسية بزيادة عدد التلميذات ، لذا فقد تم الاستعانة بخريجات المدرسة للعمل فيها كمدرسات للصفوف الأولى . ثم زادت الحاجة إلى عدد آخر من المدرسات لتغطية النقص الشديد في المدرسة لذا تمت الاستعانة بمدرسات أجنبيات من بعض البلدان العربية والواقعة ضمن البلدان المحتلة من قبل بريطانيا فوفدت المدرسات من مصر وفلسطين والأردن. إلا أن عدد هؤلاء المدرسات أخذ بالتراجع أمام كثافة مخرجات المدرسة من تلميذاتها اللاتي فضلن خدمة مدرستهن وتقديم كل ما بوسعهن من أجل تعزيز تعليم البنت وتنوير المجتمع و تطويره . وهكذا فقد حملت المدرسات الرائدات الراية من الرائدة الأولى نور حيدر ليواصلن المسيرة التعليمية . وتعاقبت أجيال المدرسات في الشيخ عثمان ليتخرجن على أيديهن أعداد كبيرة من التلميذات والطالبات في المناطق المختلفة في عدن واللاتي أضحين من الكادرات اليمنية المثقفة والاختصاصية في الكثير من ا لمجالات العلمية والأدبية. وكانت بداية الأربعينيات شهدت إنشاء مراكز لإعداد المعلمين والمعلمات ، فبدأ بالتالي برنامج إعداد المعلمات في المدرسة الشمالية عام 1947م لمدة عامين ونصف العام ، وكذلك في بقية مدارس البنات التي بدأت بالظهور في عدن . كما تم إبتعاث أول دفعة من الفتيات إلى مصر عام 1943م والسودان عام 1948م لتأهيلهن كمدرسات حاملات شهادات عليا في سلك التدريس وبالمعرفة الجيدة بفن التدريس
.
وقد واجهت هذه الخطوة الجريئة والأولى من نوعها في المجتمع العدني الكثير من الانتقادات من قبل بعض رجال الدين الذين عارضوا سفر البنت إلى الخارج بدون ولي أمرها . إلا أن هذه المعارضة لم تشكل عائقاً ولم تجد الإصغاء لها ، فتوالت البعثات في هذا المجال وارتفع عدد المربيات اليمنيات الفاضلات اللاتي حملن على عاتقهن تنشئة أجيال من الفتيات منهن عديله بيومي ونجيبة علبي وزينب علي قاسم و الأختين حليمة وشفيقة خليل أليناعي وآسيا حميدان وقدرية الحازمي و خديجة لقمان وغيرهن . وهناك من أرسلت إلى الخارج طلباً للعلم في مختلف التخصصات كالعلوم الصحية والقانون والطب والشئون الاجتماعية وغيرها من التخصصات غير التربوية وذلك في بداية الستينيات أمثال زينب ديريه وفتحيه منقوش وعائدة
.
أما أبرز العناصر النسائية التربوية التي سارت على درب نور حيدر وتتلمذت على يديها فهي فطوم يابلي ولولا باحميش وخديجة الهمداني وغيرهن ممن لازالت بصماتهن محفورة في الساحة التعليمية . كان التعليم بمثابة الشعلة التي أضاءت الطريق أمام المرأة اليمنية في هذه المدينة الصغيرة التي احتضنت ثقافات مختلفة ومشارب واتجاهات فكرية وسياسية و دينية واجتماعية مختلفة . وبالعلم وحده نهضت المرأة اليمنية متلمسة أوضاع وطنها الرافضة للوجود الاستعماري والمشاركة مع أخيها الرجل في الحركة الوطنية اليمنية . وقد سجل التاريخ أبدع المواقف الصلبة لعدد غير قليل من النساء المناضلات والمنخرطات في مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية أمثال رضية إحسان الله وفطوم سالم وصافيناز خليفة وزهرة هبة الله وعيشة علي عيد ونجاة راجح وعائدة علي سعيد ونجوى مكاوي وفوزية محمد جعفر وفوزية الجفري ثم جاء الجيل التالي من المناضلات اللاتي من الصعوبة بمكان ذكرهن جميعاً لكثرتهن واللاتي واصلن المسيرة النضالية حتى بعد الاستقلال في 30نوفمبر 1967م .


ثم الميلاد
لم تشارك عدن في الحرب العالمية الثانية ولكنها تأثرت ،بهذا الشكل أوذاك، بنتائجها في مختلف صعد الحياة . فأثناء الحرب اتخذت بريطانيا إجراءات عديدة لدعم سياستها في تحالفها مع أمريكا وفرنسا والتعاطف معها ضد هتلر الذي أعلن بأنه سيخلص الشعوب المستعمرة من الاحتلال الإنجليزي والفرنسي . فعمدت الى إنشاء القسم العربي في الإذاعة البريطانية في لندن والى تأسيس المجلس الثقافي البريطاني وغير ذلك من وسائل الاتصال التي من خلالها بث البرامج الدعائية المجملة لصورة بريطانية العظمى والدول الحليفة لها في الحرب ، حتى أن الاتحاد السوفيتي حينها كان يجد كل تقدير من قبل أمريكا وبريطانيا وهو في الحقيقة يمثل ( البعبع الخطير )الذي تخافه الدولتان لما يلعبه من دور سياسي بارز في البلدان المحتلة وغير المحتلة يتمثل في نشر المفاهيم والأفكار اللينينية الماركسية المعروفة بمبادئ الاشتراكية العلمية . ففي عدن أنشئ عام 1943م فرعان
للمجلس الثقافي البريطاني ، ورواية أخرى تقول بأنهما أنشئا عام 1941م ، تحت مسمى المعهد البريطاني وكان أحدهما للرجال والآخر للنساء . وكانا كلاهما برآسة رجل وامرأة إنجليزيين تم تعيينهما من قبل المركز الرئيسي في لندن .
وطبعاً كان الهدف واضحاً وضوح الشمس من إنشاء المعهد البريطاني في مدينة كريتر رغم أنه كان يقوم بإعداد البرامج الثقافية والترفيهية إلا أن في باطنه الترويج للسياسة البريطانية والدعاية لها وتعظيم الدولة البريطانية العظمى كدولة تحب الخير للأمم وتحفظ الأمن والسلامة لمستعمراتها وتعمل على تطوير ورقي شعوبها وعدم رغبتها في تعريضها لويلات الحروب .... إلى آخره من هذه المغالطات التي لم تنطلِ على النخبة الواعية في هذه المستعمرات حيث أن من ضمن الأسباب لإنشاء هذا المعهد إلهاء الشعب عن المطالبة بالحرية والاستقلال خاصة أن هتلر حينذاك ظهر كالمنقذ المنتتظر للشعوب العربية ليخلصها من براتن الاحتلال .
أطلق على المعهد البريطاني للنساء "نادي نساء عدن" وكان الحجر الأساس في تشكيل الخطوط الأولى للحركة النسائية اليمنية في عدن. وكانت أول من ارتادته من نساء عدن رقية محمد ناصر ونبيهة محمد حسن وفاطمة فكري . تشكل ا لنادي من مجلس إداري برآسة امرأة إنجليزية وعضوية ممثلات عن الجاليات النسائية الأجنبية الموجودة في عدن وثلاث ممثلات عن النساء الأوروبيات في عدن وثلاث عن نساء عدن العربيات وهن المذكورات سلفاً رغم أن إثنثين منهن من أصل هندي وإيراني . وكان برنامج النادي يشمل عرض الأفلام الإنجليزية وتعليم اللغة الإنجليزية والخياطة وفقرات ترفيهية كإقامة حفلات الشاي والاحتفاء بالمناسبات الدينية المسيحية كميلاد المسيح عليه السلام ورأس ألسنة الميلادية . وتحدد العضوية باشتراك شهري قدره شلنان ( الشلن عملة كانت متداولة في عدن كما هي في الصومال وعدد من البلدان الإفريقية ) علماً أن المبلغ كان زهيداً حتى يتمكن النادي من استقطاب أكبر عدد من النساء إلا أن الغالبية العظمى من النساء اليمنيات كن يعانين من الفقر والجهل والأمية ، لذا لم يكن يرتاد النادي والاشتراك في منا شطه سوى هيئته الإدارية وعدد من أقارب أولئك النسوة وصديقاتهن وعدد بسيط من بنات العوائل العدنية المعروفة في عدن البعيدات عن هموم الحياة التي تعانيها المرأة اليمنية التي تمثل القاعدة العريضة في المجتمع العدني . والحقيقة أن نساء العائلات الأرستقراطية بدعم من رجالها هن من كسرن حاجز الخوف والعادات والتقاليد المقيدة للمرأة .
وبعد الحرب العالمية الثانية أغلق النادي أبوابه وهذا يؤكد سبب إنشائه . إلا أن زوجات الضباط البريطانيين ، وبعض العناصر النسائية من الجاليات الأجنبية ، رأين في النادي ملاذاً لشغل أوقات الفراغ ومجالاً للالتقاء والتعارف ، فطالبن بإعادة فتح النادي وكان لهن ذلك عام 1952م برئاسة زوجة نائب الحاكم العام
الإنجليزية ( لم يكن الحاكم العام الإنجليزي متزوجاً وإلا كانت زوجته ستترأس النادي ) تنوبها زوجة أحد كبار الضباط الإنجليز . ووسع النادي من نشاطه وتطلب ذلك تشكيل لجنة نسائية لإعانة ودعم الفقراء والمحتاجين من الأسر العدنية . وتم تعيين ممثلات عن الجاليات الأجنبية وممثلات عن النساء العدنيات
يلاحظ أن إعادة فتح النادي كان في بداية الخمسينات وهي المرحلة التي كان فيها الفكر الثوري قد تبلور والحماس الوطني قد بدأ يتأجج في نفوس المواطنين الوطنيين في عدن . ولا ننسى أن نذكر أن فلسطين قد تم اغتصابها من قبل الصهاينة عام 1948م حين قدمتها لهم بريطانيا على طبق من فضة تحقيقاً لوعد بلفور أمام مرأى ومسمع الزعامات العربية . وقد هزت هذه الحادثة أبناء عدن الذين هبوا كرجل واحد في وجه المحتل البريطاني ، وخرجت عدن عن بكرة أبيها مناهضة للاحتلال مشعلة النيران في متاجر اليهود الذين كانوا يشكلون الطابور الخامس للمخابرات البريطانية والصهيونية وكانت هذه الحادثة الشهيرة الومضة الأولى ، العفوية ، للعصيان والتمرد ضد الاحتلال . ثم جاءت ثورة يوليو المصرية لتشد من أزر الشعب اليمني في عدن .
في خضم هذه التفاعلات الثورية استمدت العناصر النسائية الشابة حماسها الوطني وكانت قد بدأت تتشبع بأفكار القومية العربية التي جاءت مع رياح الثورة المصرية وأفكار الثورة الروسية التي ظهرت في عدن بعد تأسيس اتحاد الشعب الديمقراطي كما كانت هناك أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي . كل ذلك كان له عظيم الأثر في صفوف بعض الفتيات العدنيات اللاتي بدأن بالانخراط في النادي واللاتي كن السبب في تغيير مسار الحركة النسائية اليمنية وإضفاء الطابع الوطني على منا شطها المختلفة فيما بعد ، بل إن هؤلاء الفتيات كن السبب في تغيير سياسة النادي بشكل لم تتوقعه القائمات عليه من النساء الإنجليزيات والأجنبيات الأخريات ولاحتى النساء العدنيات فيه . وقد تمتعت أولئك الفتيات بالشجاعة والإقدام وهن يطالبن بإعادة تشكيل هيكلية النادي بعد أن رأين ما رأين من استهتار لكرامة المرأة العدنية ، وطالبن بإعادة الاعتبار للمرأة اليمنية وبالمناسبات الدينية الإسلامية وأن لا يقتصر الاهتمام بالأوروبيات في النادي وبنساء الجاليات الأجنبية من الهندوس والفرس واليهود . ومن هنا كان الفعل الأول والانطلاقة الأولى للثورة على إدارة النادي التي فوجئت بمطالبة هؤلاء الفتيات بإجراء انتخابات علنية للهيئة الإدارية خاصة وأن عدد العناصر النسائية العدنية العربية أخذ بالتزايد وغلب عدد النساء الأجنبيات .
كانت الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة في النادي شيئاً جديداً لم تعهده الإدارة الأجنبية من قبل مما أثار حفيظة عناصرها التي وصفت المطالبات بهذا الإجراء بالمتمردات والخارجات عن القوانين وغير ذلك من الأوصاف . إلا أن ذلك لم يثن أحد منهن عن المطالبة بهذا الحق الذي اصبح قضية وطنية لابد من الدفاع عنها والنضال من أجلها .
من أبرز النساء الوطنيات ( المتمردات) الآنسة رضية إحسان الله والسيدة سعيدة محمد جرجرة ( وهي زوجة السيد محمد علي با شرا حيل صاحب ورئيس تحرير صحيفة الأيام الأهلية ) والسيدة رقية محمد ناصر ( زوجة السيد محمد علي لقمان صاحب ورئيس تحرير صحيفة فتاة الجزيرة الأهلية ) والسيدتان
فاطمة بازرعة ونبيهة حسن علي التي انتخبت كأول امرأة عدنية لرئاسة النادي في عام 1954م . إلا أن النساء الأوروبيات وممثلات الجاليات الأجنبية لم يقبلن بهذه النتيجة و أعلن معارضتهن للإدارة الجديدة ، وبدأت عندئذ المكايدات والمضايقات لها ، كما نسجت المؤامرات والفتن بهدف تشتيت وحدة الصف النسوي العدني وزعزعة الثقة بين عناصره ، وكانت النتيجة أن شق النادي في جو متوتر إذ ارتفعت المطالبة بتغيير الرئيسة بعنصر نسائي عدني عربي بحجة أن الرئيسة الحالية ينحدر اصلها من إيران ، أي أنها أجنبية كغيرها من النساء الأجنبيات اللاتي تم رفضهن لرئاسة النادي. وهكذا شق الصف الواحد لتتشكل الجمعية العدنية للنساء عام 1957م برئاسة السيدة سعيدة باشرا حيل تاركة النادي للعدد المتبقي من النساء العدنيات وقليل من الأجنبيات أما الأوروبيات في النادي فقد تركنه صاغرات بعد فشلهن في إغلاق النادي أو التخلص من العناصر النسائية الوطنية . وبقيت النشاطات الاجتماعية و الخيرية تتواتر بانتظام في النادي بالعدد المتبقي الذي آمن بالمبدأ الديمقراطي في إدارة النادي . وقد تمثلت النشاطات بجمع التبرعات من أجل عائلات وأسر السجناء السياسيين والشهداء الوطنيين من العمال الذين سقطوا برصاص الجنود البريطانيين أثناء المظاهرات أو الإضرابات العمالية . وتقرر تنفيذ برامج مختلفة كل شهرين إلى جانب تعليم اللغة الإنجليزية والخياطة وبعض الأعمال الفنية كتنظيم الحفلات الغنائية و المسرحية بغرض جمع التبرعات للأسر الفقيرة . كما كان النادي يقوم بتنظيم الرحلات الترفيهية وحفلات خاصة للأطفال . ولأول مرة ينفد النادي برامج ثقافية غير معهود بها كإقامة المحاضرات والندوات لمناقشة القضايا الاجتماعية المختلفة التي تخص المرأة والأسرة كمشكلة المهور مثلاً ، وكان يدعى إلى هذه الندوات والمحاضرات فقهاء الدين والمفكرون اليمنيون .
أرسى النادي تقاليد جديدة وذاع صيته كمركز نسائي وطني بمواقفه الإيجابية تجاه الوطن والشعب اليمني كيف لا وفيه الآنسات رضية إحسان الله وصافيناز ونورا خليفة وليلى الأعجم و السيدات فطوم سالم علي ونبيهة حسن علي وفطوم علي عبده وكن من أبرز العناصر النسائية الوطنية في النادي بل وفي مدينة عدن بشكل عام إذ كانت لبعضهن ارتباطات حزبية مما عكست نفسها على علاقتهن بالنادي وبنوعية ألمناشط الاجتماعية المستبطنة التوعية السياسية . ولعل ما حدث أثناء زيارة زوجة وزير المستعمرات البريطانية لعدن عام 1958م لا تنسى من الذاكرة ، حيث رغبت بزيارة النادي وعندما وطأت أقدامها أرضه رفض الأعضاء تحيتها واتشحت النساء بالسواد تعبيراً عن عدم رغبتهن برؤيتها وعن رفض السياسة الاستعمارية . وكانت هذه الخطوة إيذاناً بالعداء الرسمي لإدارة النادي من قبل السلطات الاستعمارية ممثلة بمكتب الحاكم العام البريطاني .
وفي عام 1959م فجر النادي قنبلة هزت أركان المجتمع العدني حيث قررت ست فتيات وسيدات من أعضائه خلع الملاءة السوداء التي كانت نساء عدن يرتدينها وتسمى بالعامية " الشيدر " ( وهي كلمة فارسية تعني الحجاب وهو شبيه بالحجاب الإيراني ) والخروج سافرات الوجه إلا من إيشارب يغطي رؤوسهن ومضين يطفن في عدد من شوارع عدن أمام الملأ معلنات بذلك رفضهن للحجاب وقد تجمهر الناس لرؤيتهن وسط دهشة واستنكار كبيرين وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض . فتدفقت الكتابات في الصحف والمجلات المحلية حول هذا الفعل الأول والغريب في المجتمع العدني الصغير . وأيد بعض المثقفين هذا الإجراء ودعوا النساء العدنيات إلى الاقتداء بأولئك الفتيات الجريئات بينما عارضه البعض الآخر واعتبره خروج عن الأدب واللياقة وعن القيم الدينية والعادات والتقاليد المتوارثة ، وكان رجال الدين أكثر الناس سخطاً عليهن ومن خلال منابر المساجد أعلنوا عليهن الحرب بزعم كفرهن وإلحادهن . وقد كان لهذه الخطوة الجريئة صدى واسع النطاق في عدن وخارج عدن إذ كتب الأديب المصري الكبير إحسان عبد القدوس في "روز اليوسف" العدد 1648 حول هذه الواقعة في أسطر مقتضبة مشيراً إلى ثورة المجتمع العدني على النساء اللاتي خلعن الحجاب وسرن في الشوارع سافرات الوجه .
وكانت إدارة المعارف آنذاك تقف معارضة لنشاطات النادي ومواقفه الوطنية المتجاوبة مع الأحداث الجارية في عدن كإضراب العمال في عامي 1958م و1960م مما أدت إلى إغلاق النادي وسحب رخصة استخدامه من العضوات . ولأن عدن في تلك الفترة كانت زاخرة بالمراكز الثقافية والأندية الرياضية والنوادي الأدبية .. الخ فقد فتح نادي الاتحاد المحمدي الرياضي أبوابه لممارسة عضوات نادي نساء عدن نشاطاتهن يومين في الأسبوع ، وقد أقمن حفلاً في المقر الجديد لجمع التبرعات أملاً في إنشاء مقر خاص به . استطاع النادي أن يوسع من قاعدته من خلال استقطاب أكبر عدد من الأسماء الجديدة في عضويته من العناصر النسائية من مختلف المناطق في مدينة عدن . وبعد النجاح الذي حققه نادي نساء عدن ارتأت قيادته تغيير اسمه إلى " جمعية المرأة العربية " وذلك عام 1960م تأكيداً منها على تغليب العناصر النسائية العربية على الأجنبية واللاتي آثرن ترك النادي نهائياً .وقد تميزت الجمعية عن بقية الجمعيات النسائية الأخرى في عدن باهتمامها بنشر الوعي السياسي والاجتماعي بين صفوف النساء ما استدعى تشديد الرقابة على نشاطاتها والتعامل معها كأنها منظمة سياسية .
ترأست الجمعية الآنسة رضية إحسان الله وهي كما قلنا سلفاً شخصية نضالية معروفة في الميدان السياسي في اليمن ومعروف عنها جرأتها وحبها الشديد للوطن والاستعداد للموت في سبيله. وكانت من أبرز العناصر النسائية المحرضة للمشاركة الفاعلة في المظاهرات الحاشدة في 24سبتمبر 1962م والتي شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء عدن قاطبة الذين توافدوا في مدينة كريتر حيث يقع المجلس التشريعي الذي تم فيه التآمر على تكوين الاتحاد الفيدرالي المرفوض جملة وتفصيلاً من قبل الشعب اليمني وكذلك رفضه ضم عدن إلى هذا الاتحاد . وقد راح في ذلك اليوم عدد من الشهداء وجرح العشرات من المواطنين وزج بالكثير منهم في غياهب المعتقلات السياسية ، وكانت الآنسة رضية أحد هؤلاء المعتقلين ومعها زميلتها المناضلة الآنسة صافيناز خليفة وقد حكم عليهما بالسجن لبضعة أسابيع ، وهي رهن الاعتقال أضربت الآنسة رضية عن الأكل تعبيراً عن احتجاجها على السياسة الاستعمارية القمعية ورفضها للاحتلال ، وخوفاً من أن تفضح بريطانيا وهي الدولة العظمى التي تدعي ديمقراطيتها وسياستها المرنة اضطرت إلى الإفراج عن المناضلة رضية وزميلتها . بعدها تعرضت المناضلة رضية للكثير من المضايقات من قبل السلطات الاستعمارية بسبب عنادها وعدم رضوخها لشروطها وهي عدم العودة للنشاط السياسي ، وتم بعدئذ نفيها إلى شمال الوطن في أوائل الستينيات أي بعد الإفراج عنها بفترة قصيرة. وعاشت هذه الفتاة الجسورة بعيدة عن أهلها وذويها ردحاً من الزمن متنقلة بين عدد من المدن اليمنية وبالذات ما بين صنعاء وتعز ، وهناك لم تبخل بوقتها وجهدها فقد ساهمت بدور رائد في تأسيس حركة نسائية يمنية رغم التخلف الفكري والسياسي في البنية الاجتماعية بعكس عدن فقد ورث الشعب اليمني في الشمال واقعاً اجتماعياً متخلفاً عن الحكم الامامي المستبد والذي دام نيف وأربعة عقود من الزمن عدا قرون الذل التي عاشها في ظل الحكم التركي و العثماني . ولازالت بصمات رضية إحسان الله أمام الأعين تشع نوراً من خلال التطور الملحوظ الذي وصلت إليه الحركة النسائية في صنعاء وتعز التي وضعت لبناتها الأولى مع عدد من النساء الرائدات هناك اللاتي كسرن قيود الجهل ورفعن راية النضال من أجل مجتمع يمني تتساوى فيه المرأة مع الرجل بما يتفق مع الشريعة الدينية السمحاء ولم تكن الأرض مفروشة بالورود فقد عانت الآنسة رضية والرائدات القلائل معها كثيراً من الغبن والسخرية إلا أن ذلك كان يزيدهن عزيمة وقوة إرادة في استنهاض المرأة اليمنية .
إن ما سقناه عن واحد من الأسماء النسائية لايعني البتة خلو ساحة النضال السياسي اليمنية من العناصر النسائية المناضلة بل إنها تعد بالمئات باختلاف أدوارها إلا أننا فضلنا استحضار علم من الأعلام النسائية المناضلة الأكثر حضوراً في الساحة السياسية اليمنية والأكثر تعرضاً للسجن والاعتقال بل أن ما ذكرناه عنها لا يصل إلى الثلث من مواقفها السياسية والاجتماعية العديدة سواء في عدن أو في محمياتها الشرقية والغربية ( آنذاك ) أو في المدن اليمنية الشمالية. وأساساً نحن لسنا بصدد الإسهاب عن الأدوار النسائية السياسية فإن ذلك يتطلب منا دراسة خاصة لأننا هنا نخوض في حياة امرأة أخرى ناضلت في ميدان آخر شمل كل القضايا الوطنية الحيوية في البلاد . وكانت هي الأخرى الرائدة في مجالها المفعم بالوطنية والمليء بالمتاعب والمفاجئات .
الفصل الثالث


ماهية نجيب رائدة الصحفيات اليمنيات


نشأتها :

في أحد أحياء مدينة كريتر ( المركز السياسي والتجاري لمدينة عدن إبان الاحتلال البريطاني ) وفي أسرة كبيرة العدد اشتغل ربها بتجارة الطيب والعطور والبخور ، ولدت الابنة ماهية محمد عمر جرجرة في 21نوفمبر 1926م وكانت الثالثة من ستة أخوة. وقد اشتهرت عائلة الجرجرة في مدينة عدن بهذا اللقب الذي اختلفت الآراء في معناه الحقيقي فمن قائل انه يعني الرجل الشديد البياض إذ كان لأبيها بشرة بيضاء ومن قائل أنه يعني الحبو على الأرض ( باللغة الصومالية ) وغير ذلك من المعاني التي لا تعنينا في شيء . وتعتبر العائلة إحدى العوائل التي ارتبطت بمدينة عدن بوشائج عميقة قديمة حتى لكأنما نبتت نبتاً من أعماق التربة البركانية التي تتكون منها مدينة كريتر ( كريتر بالإنجليزية تعني فوهة بركان وقد أطلق الإنجليز هذه التسمية على المدينة بُعيد احتلالها وجعلوها عاصمة لهم) . وقد حظي أبناء عدد من العوائل العدنية الميسورة بالتعليم والثقافة والاشتغال بالسياسة وكان من بينهم من قادة الحراك الثقافي الذي جعل من عدن مناراً للوعي الاجتماعي والسياسي . وكان الذكور في العائلات العدنية هم الأكثر حظاً بتلقي التعليم من الإناث ، إذ سادت في تلك الحقب الزمنية معتقدات فيها ما يميز الذكر عن الأنثى في الأسرة وهي معتقدات بعيدة عن التعاليم الإسلامية غير أنها كانت من نتائج الجهل والتخلف الفكري والتعليمي الذي كرسه الاستعمار البريطاني في المجتمع العدني الصغير . فكان من حظ الولد التعليم أما البنت فمصيرها بيت الزوجية وتربية أبنائها وطاعة زوجها ، فلم تكن هناك قط مدارس للبنات .
ترعرعت ماهية جرجرة وسط أسرة عرفت بمحافظتها على العادات والتقاليد الاجتماعية والقيم الدينية المتوارثة فيها . لذا فقد نال عبدالرحمن وهو الابن الأكبر في الأسرة حظه من التعليم والثقافة اللتين تميز بهما على أخواته البنات خاصة وأنه في تلك السنوات لم توجد مدارس للبنات عدا الكتاتيب ، وحتى هذه لم تعط للبنت سوى النزر اليسير من التعليم ولعل أهم ما يمكن للبنت أن تتعلمه في مرحلة الطفولة المبكرة القراءة وحفظ القرآن الكريم ومبادئ الحساب . وبعدها يسدل عليها الحجاب وهي بعد في سني حياتها المبكرة وتقبع في بيت أسرتها لتساق إلى بيت الزوجية . وهناك فتيات كان يتم تزويجهن قبل أن سن البلوغ .
لفتت الطفلة ماهية ذات الست سنوات انتباه أخيها الأكبر عبد الرحمن بذكائها وحبها للموسيقى والقراءة والرسم . وكانت سريعة الحفظ فقد حفظت سبعة أجزاء من القرآن الكريم وهي بعد لم تكمل عامها السادس . وقد لاحظها تلتهم كل ما يقع بين يديها من قصاصات الورق وتحاول فك الأحرف وقراءتها بشغف . بدأ أخوها ( والذي أصبح زعيماً سياسياً فيما بعد وشغل منصب أول مدير للمعارف في عدن في الستينيات من القرن الماضي ) بتعليمها اللغة العربية وقواعدها والبلاغة وكل ما كان يأخذ من دروس في مدرسته الابتدائية ، وعُرف عن الطفلة ماهية سرعة بديهيتها وقوة ملاحظتها وحبها للمعرفة والاطلاع ، وكان أخوها لا يبخل بالإغداق عليها بما يمتلك من معرفة وعلم فأحسن تعليمها وتثقيفها وكان يزودها بالكتب والصحف والنشرات التي كانت تصدر آنذاك في عدن .
كبرت الطفلة ماهية وكأي بنت في سنها ما أن يطرق باب الأسرة طالب الزواج حتى يسارع الأهل في القبول بعد السؤال عنه وعن أسرته . وهكذا زفت الطفلة ماهية إلى بيت الزوجية وهي بعد في الخامسة عشرة من عمرها فيما كان زوجها في الثامنة عشرة من العمر ( وكان شائعاً في عدن أن يتزوج الفتى في هذه السن إذا ما توفرت الإمكانيات المادية لتكوين أسرة ) . والشاب نجيب أحمد علي سعد ( زوج السيدة ماهية ) ينتمي إلى أسرة ميسورة الحال من سكان مدينة التواهي ( مدينة حديثة العهد ، بناها الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر وجعلوها صورة مشابهة لأحد أحياء مدينة لندن ، وقد اشتهرت بالساعة المنتصبة على تل مرتفع بحيث يمكن رؤيتها من على بُعد بضعة كيلو مترات وقد صنعت على شكل ساعة بيغ بن اللندنية) . كان والد زوج السيدة ماهية يعمل في شركة خاصة تقوم بتمويل البواخر بالفحم تدعى "كول براد رز" وكان رئيساً للعمال الذين كانوا يقومون بنقل الفحم إلى البواخر التجارية المارة بميناء عدن الشهير آنذاك والذي انتقل من خليج صيرا في كريتر إلى التواهي بعد الاحتلال البريطاني لعدن .
لم يشأ القدر أن يطول عمر زواج الشابين الذي استمر من عام 1941م حتى عام 1954م فقد اختطف الموت المفاجئ الزوج الشاب إثر حادث مروري مروع وهو في طريق عودته من "لحج" مما أدى إلى تدهور حالة السيدة ماهية النفسية ، وكانت حينها وضعت طفلها السادس الذي أسمته محمداً (نوفمبر 1953م) . انكفأت الزوجة الشابة والأم الرؤوم على ذاتها وانزوت في بيتها متفرغة لتربية أبنائها الستة الذين فقدوا حنان الأب ورعايته مبكراً . وكبرت المسؤولية وكان لابد من تحملها . وكان الزمن كفيلاً بتخفيف وطأة الفاجعة ولأنها كانت مؤمنة بقضاء الله عز وجل حاولت السيدة ماهية نجيب إشغال نفسها بهوايتها المفضلة وهي القراءة والاطلاع وتعلم اللغة الإنجليزية على يد أخيها عبد الرحمن الذي لم يتركها وحيدة ، إلى جانب اهتمامها بشئون أبنائها الصغار ( ولدان وأربع بنات ) . وقد اهتمت السيدة ماهية نجيب ( كان من عادة سيدات بعض الأسر في عدن إلحاق اسم الزوج بأسمائهن وهو معمول به عند الغربيين حسب اعتقادهم أن المرأة بعد الاقتران تتخلى عن اسم عائلتها لتستبدله باسم عائلة الزوج ، ولكن في مدينة عدن أخذ هذا التقليد للتباهي والتفاخر بالعصرية ) بتعليم أبنائها ومن أجلهم رفضت الكثير من عروض الزواج التي كانت تعرض عليها، فهي لازالت في ريعان الشباب وتتمتع بمسحة جمال وبأخلاق عالية .
بعد زواج ابنتها الكبرى" نجوى " تنبهت السيدة ماهية إلى رتابة حياتها ، وبدأ الملل يتسلل إلى روحها وشعر المقربون منها وبالذات أخوها المحب لها جداً وزوج ابنتها- حامد لقمان ( وهو أحد أبناء محمد علي إبراهيم لقمان صاحب أول جريدة يومية وناطقة بالعربية في اليمن وهي "فتاة الجزيرة" الصادرة في عام 1940م ) بمعاناتها وقررا إخراجها من صمتها وقوقعتها فاقترحا عليها إصدار صحيفة تعنى بشئون المرأة خاصة وأن السيدة ماهية تمتلك الوعي والمستوى الفكري والثقافي الذي يمكنها من تحمل مسؤولية إدارة وتحرير مطبوعة كهذه .
القرار الجريء ومعارضته :
كان القرار الحاسم الذي اتخذته السيدة ماهية نجيب في إصدار جريدة تعنى بشئون المرأة بمثابة طوق النجاة الذي تشبثت به لينقذها من الغرق في بحر التيه والرتابة وتضييع العمر دون عمل شيء يذكر له قيمته في المجتمع وهي التي كانت تسعى دائماً إلى مؤازرة المرأة في عدن ومساعدة الأسر الفقيرة ومد يد العون إلى المحتاجين من الفقراء والمعوزين فطالما أحبت عمل الخير في حياتها . وهي واحدة من النساء اللاتي لم يذقن طعم التعلم في المدارس كما وأن وضع المرأة في عدن لم يرضها وهي قابعة بين أربعة جدران لا حول لها ولاقوة تنتظر إعالتها وإطعامها من قبل أبيها أو زوجها أو أخيها حتى وإن كان أصغر منها سناً بل هو أيضاً يملك الحق في تسيير مجرى حياتها ويوكل إليه تحديد مصيرها . في حين كان الرجل يتمتع بالحرية في اختيار نمط الحياة الذي يبتغيه ، فهو حر في اختيار تعليمه وعمله وشريكة حياته . في ظل مجتمع غير سوي ، نصفه يعمل ونصفه الآخر مشلول يعاني من التهميش والتغييب ، وفي ظل معاناة المرأة من الكثير من النعوت اللا إنسانية التي كانت تطلق عليها و التي تقلل من شأنها باعتبارها الأم والأخت والابنة والزوجة . وفي معمعة نضال المرأة في مدينة عدن بتأسيس التجمعات النسائية من أجل تغيير الصورة المتخلفة عنها ومحاولة الخروج من القوقعة التي سُجنت فيها ،أطلقت ماهية نجيب لفكرتها العنان ، وكما تشتعل النار في الهشيم انتشر خبر إصدار مجلة تعنى بشئون المرأة برآسة امرأة بين أوساط أبناء مدينة عدن ، خاصة وإن عاماً كاملاً في انتظار تصريح إصدار المجلة من قبل السلطات البريطانية كافياً لأن يمنح الفرصة لإحداث انقسام في الآراء بين مؤيد ومعارض للفكرة . وكان أول المعارضين لها أقرب الناس إليها وهو والدها ، الذي عُرف طوال حياته بالحكمة والعقل المستنير . وكانت معارضة والد السيدة ماهية نابعة عن خوفه على ابنته من نظرة المجتمع إليها فلا توجد في عدن امرأة تخالط الرجال أو تكتب في الصحف فكيف لابنته أن تمتلك جريدة وتحررها بنفسها؟! كانت هواجس كثيرة تخالج نفس الأب في ذلك الحين . والحقيقة أن أنثى لم تكتب اسمها في جريدة ما في عدن بل تمهر مادتها الإعلامية باسم مستعار وغالباً ما يكون اسمًا مذكراً . وكانت السيدة ماهية تحرر صفحة المرأة في صحيفة النهضة الأسبوعية التي يمتلكها ويترأس تحريرها أخوها عبد الرحمن تحت اسم مستعار وهو" بنت البلد " حتى لا يعرفها أحد . إذ كان من العيب أن تتطرق الفتاة إلى قضايا المرأة والقضايا الاجتماعية وما يندرج تحتها من تفصيلات كالعلاقة بين المرأة والرجل والإنجاب ومشاكل المراهقين ومواضيع أخرى تعتبر من التابو الاجتماعي المحرم على المرأة التطرق إليها علناً.
وما أن مرت أياماً معدودة حتى انبرى بعض الرجال المعارضين لتحرر المرأة يعلنون مناهضتهم لإصدار المجلة عبر بعض الصحف ومنابر المساجد . وكان الشيخ محمد سالم باحميش أول علماء الدين الذين استنكروا وجود امرأة صحفية وأعد ذلك خروجاً عن الدين وعن تقاليد المجتمع وعبر عن استنكاره عبر منبر مسجد العيدروس في مدينة كريتر حيث كان خطيباً وإماماً فيه . وقد وجه في إحدى خطبه الدينية لوماً للحكومة بإقدامها على منح امرأة تصريحاً لإصدار مجلة نسائية مشيراً أن المرأة مكانها البيت ورعاية أبنائها وليس الخروج إلى الشارع ومخالطة الرجال وأنه من العيب أن تجهر المرأة برأيها حول الحب والموسيقى والمساواة بين الجنسين...الخ متهماً إياها بالكفر والإلحاد .
ولنا أن نتصور حال امرأة تحمل جنيناً غير مرغوب فيه رغم شرعيته . وبأي حال ستكون هذه المرأة بعد أن يولد طفلها ويرى النور وكيف ستواجه المجتمع المتخبط بين الرفض والقبول ؟!

الفصل الرابع

الميلاد والتحدي :
بعد عام من المخاض العسير ولد العدد الأول من مجلة " فتاة شمسان " يوم الجمعة 1 يناير 1960 م الموافق 3 رجب 1379 ه كأول مطبوعة إعلامية تعنى بشئون المرأة والأسرة في اليمن وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي والمغرب العربي لصاحبة الامتياز ورئيسة التحرير ماهية نجيب متحدية العراقيل كافة ومجابهة للآراء المعارضة لها ، داعية الجميع إلى احتضان هذا المولود الجديد بحب ومساندته في تعزيز دوره في المجتمع لخدمة المرأة العربية في عدن – كما جاء في افتتاحية العدد الأول . كما ورد أيضاً في الافتتاحية الموسومة بعنوان بالبنط العريض " تحية إلى القارآت والقراء " ما يلي : " عزيزتي القارئة … أمامك الآن صحيفة " فتاة شمسان " أول صحيفة نسائية في عدن والجزيرة العربية بأسرها، بل والخليج العربي والمغرب العربي ، وذلك لأن الصحافة النسائية نادرة الوجود في هذه البلدان ، وليس هذا غريباً ، فالمرأة عندنا لاتزال في دور التقدم التدريجي الذي يحتاج إلى مجهود طويل لرفع مستواها الثقافي والعلمي والاجتماعي هكذا كانت المرأة العربية الشقيقة في الجمهورية العربية المتحدة ولبنان وفلسطين وشرق الأردن والعراق . وقد ساهمت الصحافة النسائية في هذه البلدان العربية الشقيقة بنصيب وافر في إرغام الحكومات على إعطاء المرأة حقوقها وتقديم الفرص لها لكسب الرزق الحلال وفتح المدارس والجامعات لها حتى تتخرج مواطنة صالحة مسؤولة تخدم بيتها وأطفالها ووطنها " .
وفي ختام الافتتاحية والتي لم تمهر بأي اسم ، تقدم إدارة المجلة نفسها مخاطبة المرأة والرجل معاً قائلة :" وبعد أيتها القارئة العزيزة ويا حضرات القراء الكرام هذه هي صحيفة " فتاة شمسان " التي سوف تكون لسان حال المرأة العربية في هذا الصقع من العالم إنها صحيفة سوف تملئ هذا الفراغ الذي تشعر به المرأة عندنا مجلة سوف تقدم للمرأة عندنا أدق الأخبار وأكثر المقالات تشويقاً . وهذه المقالات سوف تختص بالنساء لأن المرأة العربية عندنا في الوقت الحاضر لا زالت في حاجة إلى التوجيه المستمر والتعليم والثقافة . وبمشيئة الله العلي القدير سوف تكرس صحيفة " فتاة شمسان " جهودها إلى خدمة المرأة وتوجيهها توجيهاً صحيحاً ". وتوجه الإدارة الدعوة من خلال الافتتاحية إلى القارئات فقط للكتابة إلى المجلة قائلة :" وإدارة صحيفة "فتاة شمسان " ترحب بمقالات الزميلات وانتهاجهن على شرط أن تكون هذه المقالات في حدود الموضوعات التي خصصتها هذه الصحيفة للنساء والتي من أجلها تقدمنا بالإذن بإصدارها في هذا الوطن العزيز ".
ونلاحظ أن إدارة " فتاة شمسان " لم تستقر على تعريف المطبوعة كصحيفة أم كمجلة كما لم تذكر زمن صدورها أي هل هي يومية أم أسبوعية أم شهرية أم دورية . ولكنها بالطبع مجلة من حيث المواصفات الخاصة بالمجلة وكانت تصدر شهرياً ( في بداية كل شهر ) ، وأحد المآخذ عليها أنها لم تستقر في عدد صفحاتها إذ كانت تتراوح بين 24 و28 و 32 صفحة ، كما تفاوت سعرها منذ صدور العدد الأول لها حتى العدد الأخير من السنة الرابعة الذي بين أيدينا وهي كل الأعداد التي تمكنا من الحصول عليها أما المجلة فقد استمرت في الصدور حتى عام 1966 م .
لم تكن ولادة " فتاة شمسان " سهلة ، بل كانت الطريق محفوفة بالمخاطر ، حتى أن صاحبتها كانت في قمة قلقها واضطرابها يوم تلقفها القارئ عند انبلاج صباح يوم الأول من يناير 1960 م . وعن هذا اليوم تحكي السيدة ماهية نجيب في مقابلة إذاعية أجراها معها الإعلامي الكبير حسين الصافي حين استضافها في برنامج " أمام الميكرفون " في أوائل الستينيات حيث أجابت على سؤاله عن شعورها في اليوم الأول من صدور المجلة :" في ذلك اليوم كان قلقي شديداً وكنت خائفة من رد فعل القراء . وكنت استرق النظر من خلال نافذة البيت ساعتها شعرت وكأنني المحمولة في أيدي الناس وليست المجلة ( تضحك ) والحمد لله علمت بأن المجلة نفذت من السوق بسرعة كما أن تشجيع الناس لي من خلال الاتصال الهاتفي والكتابة إليّ جعلني استمر في طريقي وكُتبت للمجلة الاستمرارية " .
أنفقت السيدة ماهية على مجلتها الكثير من مالها الخاص أما عددها الأول فقد ساعدها فيه قليل من صديقاتها ببعض التبرعات . كما دعمها أخوها الأكبر عبد الرحمن الذي ظل يساندها في كل منعطفات حياتها
. تبويب المجلة وإخراجها :
لم يختلف شكل مجلة فتاة شمسان عن شكل أية صحيفة أو مجلة كانت تصدر آنذاك في عدن ذلك لأن المطابع الصحفية كانت محدودة جداً وكانت أشهرها مطابع الأيام لصاحبها محمد علي باشراحيل واليقظة وفتاة الجزيرة للسيد محمد علي لقمان . وكانت هذه المطابع تقوم بطباعة معظم الإصدارات الصحفية التي ملأت عدن آنذاك فتأتي جلها متشابهة شكلاً وحجماً وفي نوعية الورق . تصدرت المجلة ترويسة بطول 3,5 سم وبعرض 14 سم . وكتب اسم المجلة بالحروف العربية وبخط عريض وفي حاشية صغيرة أسفل منه كتب اسم المجلة باللغة الإنجليزية وأسفله كتب اليوم والتاريخ والعام الميلادي والهجري وسعر المجلة . وقد صدر العدد الأول بشلن لينخفض إلى 75 سنتاً في العدد الثاني ليستمر ذلك حتى العدد الرابع . كما انخفض السعر مرة أخرى في العدد الخامس إلى 50 سنتاً حتى العدد الثاني عشر ليعود إلى السعر الأول – شلن – للعدد الأول من العام الثاني للصدور أما الأعداد اللاحقة حتى الثاني عشر من ذات العام ( 61 م ) فقد استقر السعر على 50 سنتاً ، إلا أن العدد الأول من العام الثالث – 1962 م – حتى العدد الثاني عشر – الأخير – بيعت النسخة بشلن واحد فقط ثم تغير إلى 50 سنتاً من العدد التاسع لعام 1963 م حتى آخر عدد من العام نفسه وهو العام الرابع للصدور . ولم تبرر المجلة عن سبب هذا التخبط في السعر ، ويبدو أن السبب يكمن في التذبذب في سعر الورق آنذاك . وحرصت المجلة على نشر تصريح الحكومة لإصدارها في أعلى الترويسة في كل أعدادها . ولا يفوتنا أن نشير إلى حجم المجلة الذي كان بطول 28,5 سم وبعرض 20,5 سم ، أما الورق فكان عادياً وهو الذي كان يستخدم للمطبوعات والإصدارات الصحفية في عدن في ذلك الوقت ، أما غلافا المجلة الأول والأخير فكانا أيضاً من ذات الورق غير أنهما ملونين .
تكون العدد الأول من 32 صفحة وكما جاء في افتتاحيته بأن " المجلة ستقدم أدق الأخبار وأكثر المقالات تشويقاً " فإن المجلة التزمت بما قطعته على نفسها في كل أعدادها ، تقريباً ، إلا أنها اهتمت بأدق أخبار المجتمع النسائي العدني الأرستقراطي التي لاتهم القارئ والقارئة العاديين في شيء . وظلت المجلة ترصد تحركات ونشاطات بعض الشخصيات النسائية المنتمية إلى الطبقات الغنية والبارزة سياسياً واجتماعياً في جل أعدادها تقريباً . فمثلاً في العدد الأول ( 1 يناير 1960 م ) وفي الصفحة الأولى تحت عنوان ( أخبار نسائية قصيرة ) احتلت زاوية صغيرة من الصفحة ثلاثة أخبار قصيرة يقول الخبر الأول " تستعد السيدة حرم خلف إبراهيم حسن علي بإقامة مولد " حناني طناني " بمناسبة شفاء مولودتها الأخيرة " ماهية " بينما يقول الخبر الثاني " اشترت حرم محمود علي لقمان المحامي أوضة استقبال فخمة جداً من محلات عدنان هيماتي " . مثل هذه الأخبار وغيرها الخاصة جداً أفردت لها المجلة باباً خاصاً في صفحة داخلية موسومة بعنوان " المجتمع العدني النسائي " والذي تغير إلى " مجتمع النساء " ثم إلى " مجتمعنا النسائي " . ورغم سلسلة التغييرات في التسمية إلا أن المضمون ظل كما هو لم يتغير و بعيداً عن هموم المرأة اليمنية البسيطة . ومن الأبواب الثابتة في المجلة والتي تغيرت تسميتها في أعداد لاحقة باب" ركن الطالبات " والذي استبدل فيما بعد بعنوان " ركن الفتيات " وفيه أفردت المجلة صفحة وأحياناً صفحتين لمساهمة طالبات كلية البنات في الكتابة كالمقالات والقصص القصيرة والكتابات الأخرى كالألغاز والنكات الطريفة ...الخ . وخصصت المجلة في هذا الباب زاوية صغيرة نقرأ فيها اسم فتاة ونتعرف عن هوايتها المفضلة ومشروبها المفضل ومطربها المحبوب إلا أن هذه الزاوية اختفت بعد أعداد قليلة لاحقة . وكان هناك باب " مخواضة حريمي" أو" شوهة حريمي" كما جاء في أعداد أخرى وقد تضمن حواراً دائراً بين امرأتين في لقاء مباشر بينهما أو عبر الهاتف محوره نقد ظاهرة ما في المجتمع العدني أو نقد للزوجة المهملة لبيتها وأولادها أو تهافت النساء على آخر الصيحات في الأقمشة والملابس وغير ذلك . وحرصت المجلة على نشر الحوار باللهجة العدنية حتى إنها نوهت إلى ذلك في أعلى الصفحة بكتابة كلمة (بالعدنية) . وهناك أيضاً باب "رسائل القارئات والقراء" ( وهو الباب الذي اختفى في أعداد السنوات اللاحقة ) وفيه تستعرض المجلة رسائل القارئات والقراء المعبرة عن امتنانهم للمجلة وعن القضايا الأخرى كتعليم البنت وعمل المرأة ...الخ . وعلى سبيل المثال نشرت المجلة في هذا الباب في عددها الخامس الصادر في 1 مايو 1960 م رسالة لأحد القراء نقتطف منها بضعة أسطر حول التطور الذي حدث في عدن – كما يراه هو – خلال عشرين عاماً" من كان يفكر قبل 20سنة أن عدن سوف تطلق أول حدث عظيم لها . إن التطور العلمي والمدنية التقدمية قد تحولت وتبدلت .. لقد تبدل ذلك الوقت الذي كان الإنسان ينظر إلى تعليم البنت وكأنه رجس من عمل الشيطان .. " ويصف القارئ في رسالته تعليم البنت في عدن بأنه معجزة " حققتها البنت العدنية في ميدان الثقافة والتعليم بنجاح من طالباتها بشهادة السنير كامبردج والتربية العامة والتي أرجو مخلصاً أن تؤهلهن في المستقبل القريب للسفر للمملكة المتحدة لنيل شهادات الدراسات العليا حتى يعدن لخدمة الوطن العربي " ( ويقصد بالوطن العربي عدن) .

ومن الأبواب غير الثابتة في المجلة باب "اعرفي تاريخ بلادك" وفيه يستعرض محرره ، وهو المؤرخ اليمني الكبير حمزة لقمان ، الجوانب التاريخية لبعض المناطق اليمنية أو عن الشخصيات اليمنية التاريخية . وهناك باب " المرأة في العالم " وهو غير مستقر حيث يظهر في أعداد ويختفي في أخرى .. . وفيه يتعرف القارئ على تجارب النساء في البلدان الأوروبية في مجالات العمل المختلفة كالهندسة والتمريض وغيرها من المهن التي لم يألفها المجتمع العدني في صفوف نسائه ، كذلك يتحدث الباب عن عدد من الشخصيات النسائية الأوروبية السياسية والبرلمانية والنقابية والاجتماعية ، وقد تناولت المجلة في أحد أعدادها ما كتب عن السيدة مار جريت تاتشر حين عينت سكرتيرة برلمانية لوزارة التقاعد البريطانية في بداية الستينات ولعله العام 1962م . كما نشرت المجلة في عددها الأول الصادر في 1 يناير 1962م صورتها وهي تقرأ في كتاب مع طفلها و نبذة عن حياتها وعن انتخابها عضواً في البرلمان البريطاني عام 1959م . كما كان هناك باب " شهيرات النساء " وهو أيضاً يتحدث عن النساء الشهيرات في العالم ، أكن من العرب أو غيرهن من الجنسيات الأخرى ، ويسلط الأضواء حول حياتهن وما عانين من مصاعب في بداية حياتهن العملية أو التعليمية ..الخ . ولم تنسى المجلة اهتمامات المرأة بالأناقة والجمال فخصصت لذلك باباً " للصحة والجمال " ويبدو أن ما ينشر في هذا الباب عن الاعتناء بصحة المرأة وبجمالها والاهتمام بشكلها وشعرها وبكيفية اختيار صابون الاستحمام والعطور...الخ منقولاً عن إصدارات خارجية ويستشف ذلك من خلال المصطلحات الطبية وأسماء الخضار والفواكه غير الموجودة في عدن آنذاك و التي ينصح بتناولها كالملفوف الأخضر والسبانخ والأرضي شوكي والسردين بالزيت وغير ذلك من الأسماء التي عرفها الناس في سنوات لاحقة من القرن العشرين .
أفردت المجلة بحرص شديد صفحة خاصة للقصة القصيرة ولعله يجدر القول أن " فتاة شمسان" أول من اهتمت بالأقلام النسائية وفتحت لها آفاقاً رحبة في هذا المجال. فكانت تنشر باستمرار قصص لكاتبات عدة تعرف عليهن القارئ وألف أسمائهن . وبرز بعض الأسماء على السطح أمثال هند بريك و فطوم عثمان شوالا وفوزية عمر والآنسة ملاك عبد الله زيد ( وهي من مدينة تعز ) والآنسة نازك و فتحية ناجي محمد ناجي وعيشة سعيد والآنسة فاطمة عبد الباري و نجاة محمد عبادي و لوله أحمد سعيد. الجدير بالذكر أن المجلة لشدة اهتمامها بالإبداعات النسائية في مجال القصة أعلنت في عددها الرابع 1أبريل 1960م عن قيام مسابقتها بمناسبة عيد الفطر المبارك لأحسن قصة عدنية وتقديمها جوائز قيمة لأحسن ثمان قصص . وقد فتحت المجلة الباب للمشاركين من كلا الجنسين ، إلا أنها أوردت في عددها السادس الصادر في 1 يونيو 1960م خبراً في صفحتها الأولى مفاده أن عدد المشاركين في هذه المسابقة من الفتيات والسيدات فاق الخمسين أما عن المشاركين الذكور فاكتفت المجلة بالقول أن عددهم لابأس به دون ذكر الرقم ! كما أوردت في الخبر أسماء لجنة إيجاز القصص الفائزة من بينها الأستاذان حمزة علي لقمان وأحمد شريف الرفاعي . و في العدد السابع من نفس العام نشرت المجلة أسماء الفائزين والفائزات في الصفحة الثالثة منه تحت عنوان بارز" نتائج مسابقة فتاة شمسان للقصة هند بريك تفوز بالجائزة الأولى" . وقد كتب الخبر في عمودين أخذا نصف الصفحة ، كما فازت ست فتيات أخريات بجوائز المسابقة أما الجائزة الثامنة فكانت من نصيب رجل واسمه بدر ناصر عوذلي . وفي ذات العدد نشرت القصة الفائزة بالجائزة الأولى وكانت بعنوان " القدر " . وصدر العدد الثامن ليحوي لقاءً مع القاصة الفائزة هند بريك .
ومن الأبواب التي ظهرت في المجلة ثم اختفت " خواطر" و " مع الأسرة العدنية " . إضافة إلى أن المجلة كانت تنشر بعض المواضيع غير المبوبة .
وقد اهتمت المجلة بالفن وخصصت لذلك صفحة كانت تحررها في البدء "الآنسة نازك" تحت اسم " صفحة الفنون والسينما والإذاعة " ابتداءً من العدد الرابع 1 أبريل 1960م . بيد أن المجلة كانت تطرقت إلى الأخبار الفنية في عددها الثالث 1 مارس 1960م بمقالة طويلة عن الفنان أحمد قاسم وعمود" أخبار فنية " قصيرة ولكن دون التعريف بالصفحة أو اسم محرر المواد الفنية . ثم جاء العدد الخامس 1 مايو 1960م لتعلن المجلة اسم الآنسة نازك كمحررة لصفحة " موسيقى وفن ". ثم تغيرت التسمية إلى صفحة " أدب وفن " في العدد السادس . ولم تستقر الصفحة إلا في العدد الأول من العام الثالث لميلاد المجلة الصادر في 1يناير 1962م حين بدأ يحرر صفحة " الفنون الجميلة " الشاب طه أمان والذي أضاف لها لمسة جمالية ضافية في تنوع المواضيع الفنية وإغنائها بعنصر التشويق والإثارة كما كان أسلوب النقد لبعض الشخصيات الفنية والإعلامية المعروفة آنذاك مشوقاً ومشجعاً على القراءة . وقد أفردت المجلة صفحتين للفنون الجميلة التي أيضاً كانت تنشر الأخبار الفنية العربية وأخبار الفنانين العرب أمثال عبد الحليم حافظ وشادية و فاتن حمامة. ويبدو أن المحرر كان يبذل جهداً في تحرير الصفحة والمعروف أنه في ذات الوقت كان يشغل منصب مدير تحرير صحيفة " أنغام " الفنية لصاحبها ورئيس التحرير أخيه الأكبر علي أمان . وقد أحسنت السيدة ماهية نجيب اختيارها لطه أمان محرراً للصفحة الفنية الجديدة ، حيث تعرف القارئ على أخبار ونشاطات الفنانين والإعلاميين العدنيين.

وكغيرها من الصحف الصادرة آنذاك في عدن لم تحظ المجلة بالتقنية العلمية للإخراج الصحفي ، وذلك بسبب عدم وجود الكادر المختص في الإخراج الصحفي . وكان العمل يتم بالصورة التقليدية للصحف العربية التي وجدت في عدن وفي مقدمتها الصحف المصرية وكان الاعتماد على رسم وتخطيط نموذج يدوي للصفحات حسب تصور المحرر أو قيادة هيئة التحرير لحجم المادة ومواقع الصور إن وجدت أو الإعلانات . ويتم قياس الأعمدة بالمسطرة ، كما يقوم ( المخرج ) بكتابة عنوان المادة أعلى الصفحة ويحدد مقاس الحروف المطبعية ( البنط ) لعامل المطبعة الذي يقوم بدوره بترتيب الحروف المطبعية الرصاصية يدوياً على صفيحة بمقاس الصفحة وترتيب الإكليشات كما جاء في ( الماكت ) ويتم إدخالها في آلة الطبع . وقد طبعت مجلة فتاة شمسان في مطابع" دار الشعب" ومطابع "النهضة" – التي كان يمتلكها أخوها عبد الرحمن مع شريك آخر- في السنة الأولى من إصدارها ومنذ السنة الثانية تمت طباعتها في مطابع " اليقظة" المملوكة لأخيها وحده بعد إغلاق صحيفة ومطابع النهضة. وكانت الآلات المطبعية الموجودة في عدن آنذاك هي مطابع هيد لبيرغ الألمانية ، وكان أول من أدخل المطبعة إلى عدن هو الأستاذ المرحوم محمد علي لقمان صاحب ورئيس تحرير أول صحيفة عربية يومية في عدن وهي صحيفة "فتاة الجزيرة" الصادرة في 1يناير 1940 م .
وبسبب التقنية المطبعية القديمة آنذاك فإن الكثير من الأخطاء المطبعية كانت تظهر في المواد المنشورة في الصحف والمجلات ، كما كان من الصعب تحديد حجم المادة بشكل يتناسب مع أعمدة الصفحة المعينة لذا كان يتم دائماً نشر تتمة المواد على صفحات عدة ، كما حدث في مجلة فتاة شمسان . وهذا ما يجعلها غير ملتزمة بعدد الصفحات في العدد الواحد . فأحياناً تصدر المجلة ب(24) صفحة وأحياناً ب(32) أوب(28) صفحة وهكذا ، إضافة إلى عدم الاستقرار في تبويب الصفحات . إلا أنه رغم ذلك فإن المجلة التي كانت تصدر في أربع آلاف نسخة شهرياً استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً بارزاً بين الإصدارات الصحفية العدنية وكانت تنفذ من الأسواق سريعاً . وبفضل ذكاء وحُسن تدبير صاحبتها استطاعت المجلة أن تخرج إلى ما وراء البحار والجبال فقد قرأها أبناء اليمن في معظم المحميات الشرقية والغربية في الجنوب اليمني المحتل وفي عدد من المدن اليمنية في الشمال ك تعز وصنعاء والحديدة ، كما كانت – ماهية نجيب – تحملها معها إلى البلدان التي كانت تقوم بزيارتها بين الحين والآخر ك مصر ولبنان وسوريا وبريطانية . ففي مصر كانت للسيدة ماهية نجيب صديقة( صحفية " نفيسة الصريطي" التي كانت حينها محررة بجريدة الشعب قبل انضمامها لجريدة الجمهورية وكانت تعرفت على ماهية في نهاية عام 1959م في إحدى اللقاءات الصحفية في معهد الدراسات العربية حيث كانت تعد نفسها لشهادة الماجستير ) وقد قدمت هذه الصديقة مساعدات كثيرة لفتاة شمسان منها بعض الأخبار والمعلومات الفنية والصور كما قدمت السيدة ماهية نجيب إلى عدد من الشخصيات الأدبية والإعلامية والفنية البارزة في المجتمع المصري والمعروفة على مستوى الوطن العربي أمثال سهير القلماوي وعباس محمود العقاد وأمينة السعيد وأم كلثوم وغيرهم لإجراء المقابلات الصحفية معهم . ومن خلال القراءات لمواد المجلة نُشرت رسائل من قراء يمنيين مغتربين في جيبوتي والمملكة العربية السعودية والكويت ، ويُعتقد بأنها كانت تصلهم عبر المسافرين إلى هذه البلدان .

الفصل الخامس


حقوق المرأة في " فتاة شمسان "


قطعت رئيسة تحرير " فتاة شمسان" عهداً على نفسها أمام قرائها وهو النضال بالكلمة وبالفعل من أجل نيل المرأة حقوقها كاملة وبدرجة أساسية حقها في التعليم وفي العمل وفي المشاركة السياسية وفي اختيار شريك حياتها ... والكثير ممن عرف السيدة ماهية نجيب يؤكدون على مدى تفانيها من أجل نصرة قضية المرأة وبأنها كانت السباقة إلى دعوة المرأة إلى النضال من أجل ذلك . وقد شهد الكثير على ما قدمته هذه السيدة من أعمال خيرية التي لم تكن تعلنها لأحد تجاه الأسر الفقيرة ودعمها لها مادياً ومعنوياً حيث أسهمت كثيراً في تحفيز بنات هذه الأسر على مواصلة تعليمهن حتى نيل الشهادات الدراسية العليا من الخارج . كما ساعدت أسر فقيرة كثيرة على إيجاد فرص عمل لبناتها في وظائف مختلفة ، ولازال عدد من هؤلاء اللاتي غدون نساء لهن مكانتهن الاجتماعية والثقافية والعلمية في اليمن ويتذكرن ما قدمته أيادي هذه السيدة الكريمة لهن .
وإذا ما قلبنا صفحات المجلة للأربع السنوات التي بين أيدينا ، فإننا نستقرئ شفافية صاحبتها وحماسها المنقطع النظير للرفع من شأن المرأة اليمنية . وقد أفردت صفحاتها منذ الأعداد الأولى لمناقشة قضية المرأة وساهم في الكتابة في هذا الشأن العديد من الكتاب والمثقفين المعروفين في عدن أمثال أحمد شريف الرفاعي و حمزة لقمان و محمد علي لقمان وعلي عوض بامطرف ومحمد علي باشرا حيل وغيرهم . وسعت المجلة إلى نشر آراء رجال الدين أيضاً في قضية حقوق المرأة . ففي العدد الثاني للسنة الثالثة الصادر في 1 فبراير 1962م نشرت المجلة لقاءاً صحفياً مع الشيخ محمد سالم البيحاني ( وهو من علماء اليمن المشهورين ومؤسس المعهد العلمي الإسلامي كما إنه إمام وخطيب مسجد العسقلاني في عدن) ووجهت إليه عدداً من الأسئلة الهامة حول مساواة المرأة والرجل في الحقوق والواجبات ( في التعليم والعمل والترشيح والانتخاب في المجلس التشريعي – البرلمان – وحول الحجاب والسفور وتحديد النسل وغير ذلك من الأسئلة الخاصة بقضايا المرأة ) .
تناولت المجلة قضية المرأة بكل جرأة وشجاعة في ظل التعتيم الشديد عليها في تلك الفترة وكان من العيب بل والخطورة التطرق إليها . لذلك اشتد سعير بعض الفقهاء ورجال الدين ضدها وضد رئيسة التحرير ورأوا أن في هذا العمل خروج عن الدين ورجس من أعمال الشيطان ، وانبرى البعض ينادي بإبقاء المرأة في البيت والعودة إلى ما كان عليه المجتمع قبل أكثر من عقدين من الزمن وذلك عبر منابر المساجد وعدد من الصحف المناهضة لتحير المرأة . وقد كتبت القارئة صفاء علي في باب "خواطر" في الصفحة رقم 15 من العدد الثالث ل"فتاة شمسان" الصادر في 1 مارس 1961 م عن حقوق المرأة العربية في مصر وتونس ومؤازرة رجال الدين لها في قضايا الطلاق وقد أوردت أمثلة على ذلك . وطالبت في مستهل ( خواطرها ) "نواب الأمة من أعضاء المجلس التشريعي والعلماء الأكارم بزيارة لدور المحاكم في عدن ليشاهدوا بأعينهم المئات من النساء المسلمات وهن بائسات من جراء التعسف الذي يقع عليهن جراء الطلاق وعدم استكمال هذه القضايا" . كما تحدثت الكاتبة عن الأضرار التي تقع على المرأة نتيجة زواج الرجل بأكثر من واحدة ( ولعل هذه الكاتبة أول من تطرق إلى تعدد الزيجات ) وتنتقد الكاتبة رجال الدين الذين يشنون حملة مناهضة المرأة عبر المساجد والصحف وإذاعة عدن قائلة " شيء واحد أريد أن أهمس به لرجال الدين وأئمة المساجد وهو أن مثل تلك الحملات والتي تذاع بعضها تجعل المستمعين في الداخل والخارج يتصورون المرأة العدنية عاهرة لاحياء لها ولا شرف ، ونحن نعلم علم اليقين بأن العدنية عموماً زوجة وفية وأم حنون وأخت شريفة لا يجوز لأحد أن يشتمها في عرضها ويتهمها بما ليس فيها ".
كتب السيد محمد علي باشراحيل رئيس تحرير صحيفة الأيام مقالةً طويلة في الصفحة الأولى من العدد الأول من السنة الرابعة ل"فتاة شمسان" الصادر في 1/4/1963 م تحت ثلاثة عناوين وهي:" انتصارات (فتاة شمسان) ثلاث سنوات عمل جدير بالخلود " و" ماهية نجيب رائدة تحرير المرأة في الجنوب العربي" و" المطلوب من "فتاة شمسان" المضي في العمل والتطوير" ، ويستهل الأستاذ باشراحيل مقالته المستفيضة عن الصحافة الحرة وخوضها معركة الحياة ومسجلة " انتصارات مجتمع نفض عن كاهله غبار الكسل والجهل وصمم على أن يحيا حياة كريمة – حياة يضعها هو بقوة إرادته ومشيئته" ويتطرق في مقالته إلى الظروف السياسية التي تعيشها عدن في تلك الفترة ولكن بحذر شديد ويبدو أن صحيفة الأيام كانت أغلقت في تلك الفترة من قبل السلطات الاستعمارية ، لذا نجده يلمح إلى معاناة الصحافة في عدن ، وقد استشفينا ذلك من خلال استدراكه لما كان مزمع البوح به حيث يقول في موضوعه " وعلي أن أراعي ظروف المجلة والأهداف المحددة لها حتى أجنبها الوقوع في إشكال ، وما أكثر الإشكال في الظروف التي تمر بها الآن " ويؤكد الكاتب على ضعف إمكانيات الصحافة العدنية وتقصيرها الفاضح تجاه المرأة المتمثل بعدم " الاهتمام بشئونها ومشاكلها كجزء من عملية التوعية العامة في محيطها باعتبارها جزءاً أساسياً هاماً يعتبر اليوم في حياة الشعوب مقياساً لوعي المجتمع ونضوجه " . وكان الهدف من استهلال باشراحيل الإشادة بدور السيدة ماهية نجيب في الاهتمام بقضايا المرأة من خلال مجلتها قائلاً " إن إقدام الزميلة ماهية نجيب على إصدار وتحرير أول صحيفة نسائية في هذا الجزء من الوطن عمل جدير بالخلود وليس هناك من هو أقدر على تسجيل عملها هذا من التاريخ وحده . ذلك لأنها عالجت نقصاً في الصحافة المحلية واملأت فراغاً ظل مجتمعنا بسببه مشلولاً لا يقوى على الانطلاق نحو عالم الغد الحر الطليق ". ويضيف " إن السيدة ماهية نجيب هي رائدة التحرر بالنسبة لقطاع المرأة في مجتمعنا وهي قائد ته دونما شك " .
والسيدة ماهية نجيب كما أسلفنا لم تتوانى عن نضالها من أجل رفع شأن المرأة ، وقد عُرفت بجرأتها وتحديها للصعاب في هذا المضمار. وكانت سفيرة للمرأة اليمنية في المحافل العربية والإفريقية والأوروبية المعنية بشئون المرأة . فقد شاركت في المؤتمر الأول لنساء آسيا وأفريقيا في القاهرة عام 1961 م وفي المؤتمر النسائي العربي في لبنان عام 1962 م كما مثلت المرأة اليمنية في لندن عام 1961 م ضمن وفد إعلامي من مختلف ا لبلدان الأفريقية الواقعة تحت الاحتلال البريطاني . وسنأتي على كل ذلك في الفصول القادمة .
في العدد الأول من السنة الثالثة للمجلة الصادر في الأول من يناير عام 1962 م ، والذي وُصف بالعدد الممتاز حسب ما جاء في " مانشيت" الصفحة الأولى منه ، كتب السيد عبد الرحمن جرجرة في ذات الصفحة أعلى صورة شغلت نصفها – وتظهر فيها السيدة ماهية نجيب وسط مجموعة من أعضاء البرلمان البريطاني ورجال الصحافة الأفريقية أثناء زيارتها لندن – مهنئاً ماهية نجيب ومجلتها بمناسبة ولوجها عامها الثالث قائلاً " لقد ضربت " فتاة شمسان " المثل الأعلى في إنهاض العدنية ودفعها قدماً لتتبوأ مكانها بين بنات جنسها من شعوب العالم كما كانت السفيرة المخلصة لها في المجالس النسائية الدولية وفي بلدان عدة وكانت العدنية الأولى التي طالبت بجرأة وإيمان من أجل حق العدنية السياسي في أروقة البرلمان الإنجليزي عندما دُعيت رسمياً لزيارة بريطانيا في الصيف الماضي " .
تلك كانت شهادات موثقة عن السيدة ماهية نجيب ودورها في النضال من أجل قضية المرأة رغم ما واجهت من أذى سبب لها الكثير من المعاناة النفسية
وشكل لها كابوساً مؤرقاً . إلا أن وقوف الكثير من المثقفين إلى جانبها ومؤازرتهم لها كان يخفف عنها بعض الشيء كما كانت رسائل صديقتها الصحفية نفيسة الصريطي تبعث فيها الأمل ، وقد استمرت هذه الصداقة الوطيدة بينهما حتى آخر يوم من عمر السيدة ماهية التي توفت في المملكة العربية السعودية إثر مرض عضال ألم بها في 28/7/1982 م ، ودفنت في مكة المكرمة حيث يوجد قبر أخيها الأكبر ومعلمها الأول عبد الرحمن جرجرة حسب وصيتها . ولازالت السيدة نفيسة الصريطي الصحفية المرموقة في مصر العربية تحتفظ حتى اليوم برسائل صديقتها الأثيرة وبذكراها التي لا تنسى ، كما أنها لم تقطع صلتها بأسرة ماهية نجيب حتى بعد مماتها وفاءاً لها .
وسنأتي في الأسطر القادمة بالكثير من الشهادات التي تتحدث عن الدور الوطني و الرائد للسيدة ماهية نجيب ولمجلتها في الدفع بمسيرة المرأة إلى الأمام نحو آفاق رحبة نعيشها اليوم . كما سيحدثنا الفصل السادس عن شهادات بعض من عاصر هذه السيدة العظيمة ورافقها في حياتها العملية ، وهي المرأة التي لم يتم ذكرها قط إبان الحكم الشمولي في الجنوب ولا حتى في ظل راية اليمن الواحد ، وكيف سيتذكرها الأولون وهم قد أدخلوها في خانة عملاء الاستعمار البريطاني لاشيء سوى أنها فهمت النضال الوطني بعكس ما فهمه الساسة الجدد الذين جاءوا بعد الاستقلال الوطني ، وأحبت بلادها بأسلوب آخر غير أسلوبهم ، والأنكى من ذلك أنها تنتمي إلى أسرة كان هؤلاء رغبوا في التخلص منها ، كبقية الأسر والأسماء غير المستساغة لهم ، حيث أُدرجوا جميعاً في قائمة خونة الوطن واتهامهم بالعمالة مع بريطانيا . وهذه كانت من الأخطاء الفظيعة التي ارتكبت في حق هؤلاء الناس الذين لو بقوا في البلاد لكانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية غير ما كانت عليه في السنوات التي تلت الاستقلال . وقد عوقب كل أولئك بأخذ ممتلكاتهم الخاصة ، وراح بعضهم في غياهب قانون التأميم . وكان أن لحق الظلم بالسيدة ماهية نجيب ، رغم أنها بقيت في عدن ورفضت مغادرتها بعد الاستقلال ، حيث لقيت مختلف أشكال الإرهاب النفسي من قبل بعض أصحاب النفوذ السياسي ، فقد كانت تتلقى اتصالات هاتفية من مجهولين يهددونها بالسجن وبالاغتيال مما جعلها تعيش أيامها في رعب شديد وكانت تفكر بأطفالها الذين فقدوا يوماً أباهم وهاهم اليوم ربما يفقدون أمهم أيضاً فما كان منها إلا أن عزمت على الرحيل عن الأرض التي ولدت وترعرعت فيها وروت شجرة الحرية بعرقها ودموعها وشهدت منعطفات حياتها كلها . تركت ماهية نجيب ذكرياتها رهينة عدن المحروسة ولم تأخذ معها في غربتها غير أولادها الخمسة –إذ كانت الابنة الكبرى متزوجة في عدن – ودون أن يشعر بها أحد غادرت قهراً إلى مدينة تعز في 23 /7 / 1972 م ومن تم إلى المملكة العربية السعودية في ديسمبر ذات العام . وكما أخبرنا ابنها محمد أنها كانت كلما تشتاق إلى عدن تسافر إلى صنعاء وتقول " كأنما أشتم رائحة عدن من هنا وهذا يكفيني " هذه السيدة التي تركت بيتها الذي بنته من مالها الخاص تم تمليكه لأناس آخرين ولازالت القضية بدون حل .


حق المرأة في التعليم


دأبت " فتاة شمسان " منذ العدد الأول على رفع شعار حق المرأة في التعليم وهدم جدار الأمية الحائل دون تطور المرأة ويبقيها حبيسة البيت تعتمد على المعيل من الرجال أكان الأب أو الأخ أو الزوج ، بل ويجعلها كائناً حياً ينحصر دوره في الحياة في الحمل والإنجاب ورعاية البيت والأبناء والزوج .
وقد أفردت المجلة منذ العدد الأول صفحة خاصة للقارئات من الطالبات أطلقت عليها اسم " ركن الطالبات " وبها كتب عدد من الطالبات مواضيع تهمهن كطالبات علم ، كما كتبن عن أهمية التعليم للمرأة لتربية النشء الصالح . وفي زاوية صغيرة أسفل الصفحة الثالثة ( وهي الصفحة المخصصة ل"ركن الطالبات" ) تحت عنوان نجمة الشهر تعرف المجلة القراء بإحدى الطالبات بنشر اسمها وتاريخ ومكان ميلادها وهوايتها ومشروبها ومطربها المفضلين . ولم تكن هذه الزاوية ثابتة حيث اختفت في بعض الأعداد .
في العدد الخامس الصادر في 1 مايو 1960 م وفي الصفحة الثالثة في باب رسائل القارئات والقراء ( وهو أيضاً من الأبواب غير المستقرة في المجلة) كتب أحد القراء في رسالة بعثها إلى رئيسة التحرير نقتطف بعضاً من أسطرها " من كان يفكر قبل 20 سنة أن عدن سوف تطلق أول حدث عظيم لها . إن التطور العلمي والمدنية التقدمية قد تحولت وتبدلت .. لقد تبدل ذلك الوقت الذي كان الإنسان ينظر إلى تعليم البنت وكأنه رجس من عمل الشيطان .. " ويصف كاتب الرسالة تعليم البنت في عدن ب" معجزة حققتها البنت العدنية في ميدان الثقافة والتعليم بنجاح من طالباتها بشهادة السنير كامبردج والتربية العامة والتي أرجو مخلصاً أن تؤهلهن في المستقبل القريب للسفر للمملكة المتحدة لنيل شهادات الدراسات العليا حتى يعدن للعمل لخدمة الوطن العربي( ويقصد خدمة عدن) " . وفي العدد السادس من نفس العام أي في 1 يونيو كتبت رئيسة التحرير في افتتاحية العدد تحت عنوان " تعليم البنت " تتحدث فيها عن لقائها بخبيرة تعليم الفتاة في وزارة المستعمرات وذلك أثناء زيارتها لعدن ( وكانت رئيسة التحرير قد نشرت نص اللقاء في عدد مايو حيث أجابت الخبيرة عن الأسئلة الموجهة إليها حول أهمية إدراج اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية وعن تقوية المستوى العلمي للفتاة العدنية حتى تستطيع أن تعد نفسها للإجازات العلمية في بريطانيا وغيرها من الأسئلة ) كما جاء في الافتتاحية " أما عن مسألة تدريب المعلمات يجب أن يصل لمستوى تدريب المعلمين حتى تؤهل نفسها المعلمة العدنية لإجازات علمية للتدريب في بريطانيا . ونحن مسرورون أن خبيرة تعليم الفتاة في وزارة المستعمرات قد أيدتنا في هذا الرأي ولكننا نأمل في المستقبل أن يتساوى المستوى حتى تصبح الفرصة للتدريب العالي في بريطانيا أوتوماتيكياً متعادلة " .
وكانت السيدة ماهية نجيب تحث في معظم كتاباتها ، حول تعليم الفتاة ، إدارة المعارف على ابتعاث الفتيات العاملات في مختلف الوظائف إلى الخارج للتدريب والتأهيل في مجال عملهن أسوة بالموظفين الذكور وألا يقف التعليم في ساحات المدارس فقط ، وتختتم الافتتاحية قائلة " فلم تخلق الفتاة لأن تكون معلمة أو ممرضة فقط بل خلقت أيضاً لأن تكون حتى وزيرة أيضاً ولازلنا نقول إننا لا نوافق المجلس التشريعي عندما يقول أن النقود غير متوفرة لزيادة تعليم الفتاة " وتضيف في الأسطر الأخيرة " إن الفتيات العدنيات سوف يعشن خلال فترة من التغيير الكبير الذي سوف يفتح لهن فرصاً عديدة ولكن أيضاً مسئوليات كبيرة وسوف يلعبن دوراً أكبر في حياة بلادهن . لهذا يجب أن يتعلمن حتى يتأهلن للمهن أو الأعمال وإنني أنصحهن أن يتصلن ببعض اتصالاً وثيقاً وأنه مهم لهن أن يجعلن منازلهن مصدر بهجة وسرور لأزواجهن وأطفالهن ويجب أن يتابعن ما يجري في البلدان الأخرى ويجب أن يسافرن وأن يعرفن نساء كثيرات وإنني أظن أن فتيات عدن يتعلمن هذه الأشياء وأن يستمررن فيها " . تلك كانت نظرة السيدة ماهية نجيب إلى مستقبل الفتاة العدنية واستشرافها لغدها المنتظر ، وإن جاءت كلماتها بسيطة وغير مقة .

رفعت السيدة ماهية نجيب صوتها عالياً تنادي بضرورة تعليم البنت وفتح مجالات التعليم التخصصي الواسع أمامها لتتمكن من العمل في مجالات عملية أخرى غير التمريض وسلك التدريس ، وكانت الفتاة حينها لاتجد مفراً من العمل كممرضة أو مدرسة فقط– وهذا الأغلب – بسبب مخرجات التعليم في تلك الفترة وحاجة البلد إلى مهنة التدريس بدرجة أساسية وإلى مهنة التمريض ، وقد كانت هناك العديد من الكادرات الأجنبية لشغل هذين التخصصين في عدن .
وانبرت رئيسة تحرير " فتاة شمسان " تقول في الصفحة الأولى من العدد الثاني عشر من المجلة الصادر في 1 ديسمبر 1960 م " إن الفتاة العدنية لم تخلق لأن تكون ممرضة ومعلمة فقط " . وتنبأت السيدة ماهية نجيب بمستقبل المرأة اليمنية وكانت على يقين أنها ستنطلق نحو آفاق رحبة وستتمكن من كسر القيود التي فرضت عليها فتستطرد قائلة" لقد خلقت أيضاً لأن تكون وزيرة ومن يدري فالمستقبل سوف يكشف لنا الكثير من المواهب الموجودة عند الفتاة العدنية العربية " .
وخلال عامين من الزمن ( 1960م- 1962 م ) كانت الأوضاع في مدينة عدن تشهد تطورات متواترة ومتسارعة على صعد الحياة المختلفة ، ففي عام 1960 م وتحديداً في 14 ديسمبر صدر إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة ليفتح الباب أمام الشعب اليمني ليتخذ نضاله ضد الاحتلال البريطاني شكلاً آخر يوصله إلى الحرية . وبالمقابل فإن السياسة البريطانية كذلك اتخذت شكلاً آخر تجاه أبناء عدن والمحميات ، إذ عمدت السلطات الاستعمارية إلى اتخاذ أساليب الترغيب والترهيب التي زادت من وثيرتها ومن ضمنها ضرب الوعود بتعميم الخير لأبناء عدن وإنشاء المنشآت الاقتصادية والثقافية والإعلامية وبناء المدارس في بعض المناطق داخل المحميات الشرقية والغربية ، ودعم المجلس التشريعي وحكومة الاتحاد ( اتحاد الجنوب العربي ) التي فرضت على الشعب اليمني في الجنوب . وكانت حركة التحرر الوطني في تلك الفترة شبت عن الطوق فلقنت المحتل دروساً لا تنسى من النضال المستميت .
في تلك الفترة شيدت مدرسة ابتدائية للبنات في" جعار" في 29 / 10 / 1960 م بحضور عدد كبير من الشخصيات الاجتماعية والسياسية البارزة في عدن والمحميات ، وكانت المدرسة تتسع ل36 تلميذة فقط وقد عينت لها مديرة ومدرسة في آن واحد – لعدم وجود فتيات متعلمات من بنات المنطقة – الآنسة مريم يوسف هتاري ( وهي إحدى بنات مدينة عدن واختارت طواعية العمل هناك ) وتقع جعار في أبين التي تبعد عن عدن حوالي 60 كم . كما تم البدء في التدريس الابتدائي في مدرسة" زاره " للبنات عام 1961 م والتي أقامتها السلطنة العوذلية ، وقد ضمت المدرسة ثلاثة صفوف ومكتب للإدارة المدرسية . كما بدء في ذات العام مشروع بناء مدرسة أخرى للبنات في مكيراس ومشروع آخر لبناء سبع مدارس ابتدائية للبنين في مختلف انحاء السلطنة العوذلية . وتوات خلال تلك الفترة افتتاح المدارس الابتدائية والثانوية للبنين والبنات في المستعمرة عدن وفي بعض ضواحيها وفي عدد من المناطق الريفية في المحميات . كل تلك الإجراءات كانت محاولة من السلطات الاستعمارية لمد فترة بقائها في المنطقة بعد تزايد نمو الحركة الوطنية اليمنية والمطالبة بالاستقلال . وأسرعت السلطات الاستعمارية ، لإلهاء الشعب عن مطالبته بالاستقلال ودفعه إلى إبقاء الاحتلال ، إلى الإعلان عن إنشاء تلفزيون في عدن عام 1963 م ، وكان الإعلان عن هذا الحدث قبل عام من تحقيقه إذ أنشئ التلفزيون في عدن في سبتمبر 1964 م .
كانت عدن تعيش أهم مراحلها التاريخية في فترة الستينات من القرن الماضي ، فالحركة السياسية تتوسع أركانها وتمتد أمواجها لتغطي الساحة اليمنية كلها . فثورة السادس والعشرين من سبتمبر في شمال الوطن أضحت الأرضية الخصبة التي وقف عليها ثوار الجنوب ، فتمور الأرض تحت أقدام المستعمر ويحتد الصراع الدموي بين القوى المناضلة وبين جنود الاحتلال .
في الأول من فبراير عام 1962م اهتزت مدينة عدن على غير عادتها وخرجت عن بكرة أبيها إلى الشوارع وارتفعت الأصوات الهادرة إلى عنان السماء ، وسمعت في ذلك اليوم دوي طلقات البنادق وشوهدت أعداد من النساء والفتيات يهرعن إلى اتجاهات مختلفة وبعضهن أصيب بالإغماء نتيجة قذائف مسيلات الدموع التي كان جنود الاحتلال يطلقها على الجموع المتظاهرة , كما شوهد المواطنون يرشقون هؤلاء الجنود بالحجارة والزجاجات الفارغة . كان ذلك الحدث الأول من نوعه في مدينة عدن التي كأنما ثار بركانها من جديد بعد خمود ه الطويل . سجل ذلك اليوم في تاريخ عدن السياسي طالبات كلية البنات اللاتي أعلنَّ رفضهنَّ للسياسة التربوية والتعليمية في كليتهنَّ ، وطالبن بتعريب التعليم وبفتح المجال للحصول على شهادة الثقافة العامة أسوة بالطلاب الذكور وتغيير مديرة الكلية الإنجليزية . وقد أعلنت الطالبات إضرابهن عن التعليم واعتصامهن في الكلية مما أدى إلى اعتقال بعضهن والتحقيق معه .

وبعد تطور الأزمة استشعرت السلطات الاستعمارية خطورة الموقف الذي قد يؤدي إلى استنهاض مشاعر الجماهير وينحو منحى آخر هي في غنى عنه ، خاصة وأن الحراك السياسي والثقافي الذي تقوده أحزاب وتنظيمات سياسية ووطنية يلوح بإحداث متغيرات على السطح يهدد وجودها . وكانت مظاهرة الطالبات بمثابة جرس الإنذار لسلطات الاحتلال حيث استقطبت في صفها عدداً كبيراً من المواطنين الرافضين السياسة الاستعمارية والوجود الاستعماري . ولتدارك أية عواقب وخيمة قام حاكم عدن " شارلس جو نستن " بتشكيل لجنة من أولياء أمور بعض الطالبات مكونة من ثلاثة آباء وأم واحدة وهم محمد أحمد الأصنج وعبد العزيز شهاب ومحمد حسن عوبلي والسيدة ماهية نجيب ( وهم من أبناء عدن المعروفين ) كما شكلت لجنة تمثل وزارة المعارف مكونة من شخصيتين إحداهما إنجليزية ويدعى رو بستن ولأخرى عدنية وهو السيد إبراهيم لقمان ، وذلك لبحث السياسة التعليمية في كلية البنات وأسباب احتجاج الطالبات عليها . وقد حضر اجتماع اللجنتين خبير التعليم الفني في وزارة المستعمرات البريطانية " كريستوفر كوكس " والذي جاء خصيصاً إلى عدن من أجل البحث في هذه القضية وكذلك من أجل افتتاح مدرسة للمرحلة الثانوية للبنين في مدينة خور مكسر . وترأس الاجتماع السكرتير العام للدولة " ك . دبليو . سيموندز . كما اجتمع عدد من أولياء أمور الطالبات بوزير المعارف السيد إبراهيم صعيدي وتمت مناقشة الوضع المتردي في الكلية والمعاملة السيئة لمديرتها .
خرجت مناقشات ومداولات المجتمعين في اللجنتين المشكلتين بعدد من التوصيات منها ضرورة تشكيل استشارية في وزارة المعارف وتوفير التسهيلات التعليمية للبنات أسوة بالبنين وأوصت بتوفير معلمين ذكور – بشكل مؤقت – وذلك لعدم وجود العدد الكافي من المعلمات وهو ما أفضى إلى تعثر سير الدراسة مما حدى بعض الأسر إلى منع بناتها من الذهاب إلى الكلية ، وإقدام البعض الآخر على تزويج بناته ، أما عدد آخر من الفتيات المنتميات إلى أسر فقيرة ففضل البحث عن عمل لسد الرمق بدلاً من التعليم المتعثر .
وفي 15 أكتوبر عام 1962 م فتحت كلية البنات أبوابها بعد إجراء التغييرات التي أوصت بها لجنة أولياء الأمور وأهمها إزاحة مديرة الكلية " بتري " ، وقد تعينت بدلاً عنها شخصية إنجليزية أيضاً تدعى الآنسة " أنجير " . أما فيما يتعلق بالدراسة فقد تم تعريب بعض الدروس كما تم رفد الكلية بعدد من المدرسين الذكور والإناث الأجنبيات ، وكان عدد من العناصر النسائية اليمنية عاد من الدراسة التخصصية في مجال التعليم من بريطانيا وبعض البلدان العربية الواقعة تحت السيادة البريطانية فتم توظيفه في الكلية في سلك التدريس .
وكانت مجلة " فتاة شمسان " رصدت أحداث هذه الواقعة منذ انفجارها حتى خمود نيرانها. وقد كتبت المجلة في عددها الصادر في 1 / 11/ 1962 م تحت عنوان " افتتاح كلية البنات / وصول العميدة الجديدة " وذلك في سياق خبر افتتاح الكلية ولقاء رئيسة التحرير بالعميدة الجديدة ما يلي : " ... وقد استقبلت الآنسة أنجير رئيسة تحرير هذه المجلة بالترحاب والابتسامات وقالت إنها ستعامل فتيات الكلية كبناتها وإنها ستكون لهن أماً ومرشدة ومعلمة ومربية في آن واحد ولكنها ترجو منهن أن يخلدن إلى الهدوء لأن عجلة تعليم الفتاة يجب أن تسير إلى الأمام أما إذا حصل الشغب فإن هذه العجلة ستتأخر " .
في الحقيقة فإن بداية الستينات من القرن المنصرم شهدت تطوراً ملحوظاً في مسار تعليم البنت في مدينة عدن وحتى في بعض المناطق الريفية. وبدأ تشييد عدد من المدارس للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية للبنات . ففي الشيخ عثمان شيدت أول مدرسة متوسطة للبنات عام 1962 م ليتم افتتاحها العام الذي يليه . وفي عام 1964 م تم افتتاح أول مدرسة ابتدائية للبنات في منطقة زنجبار- وهي لا تبعد كثيراً عن منطقة جعار والاثنتان تقعان في إمارة الفضلي سابقاً ومحافظة أبين حالياً . وكانت فتاة شمسان تحث الآباء والأمهات على تعليم بناتهم " فبالعلم تترقى الأمم " هكذا كانت تكتب المجلة دائماً . وكانت المجلة تربط بين التعليم والعمل . في العدد الثاني للمجلة الصادر في 1 / 2 / 1961 م نشر مقال مطول لأحد كتابها وهو محمد عبده طني تحت عنوان " دور المرأة في المجتمع وأهميته بالنسبة للرجل " جاء فيه :" إن واجب الآباء والأمهات وأولياء الأمور أن يشجعوا بناتهن للمضي قدما لينهلن من مناهل العلوم ولا يقتصرون على التعليم الداخلي فقط فسوف يحمدن عقبى ذلك في النهاية حيث يكونن قد ساهمن في خدمة وطنهن ومواطنيهن حين تصبح لنا الطبيبة والتربوية والدبلوماسية و. و. و. الخ " . كما نشرت المجلة موضوعاً تحت عنوان " ما هو دور الفتاة المتعلمة في المجتمع " في باب " كلمة صريحة " " إن التعليم بالنسبة لها هو فتح أبواب العلم أمامها " وأضاف كاتب المقال " فالبيوت العدنية لا يتوفر في معظمها الهدوء المشجع للدراسة بل أن في بعض البيوت من يعارضون فتياتهم من القراءة الكثيرة والمطالبة بالقيام بالأعمال المنزلية المستمرة أ والمضايقة وعدم توفير الوقت للدراسة " وقد اختتمت المقالة والتي نشرت في نفس العدد الآنف الذكر " فما من مجتمع ظهرت فيه المرأة واعترف بمساواتها بالرجل إلا و كان سلمها للوصول العلم . فالعلم وحده أساس كل رقي وكل عزة وكل شعور بالوجود في هذه الحياة " . ويصور لنا المقال موقف الأسرة العدنية آنذاك تجاه تعليم الفتاة ومستوى وعي أولياء الأمور.


حق المرأة في العمل

إذا ما أعدنا الذاكرة إلى سنوات الستينيات من القرن المنصرم لاستحوذت علينا الرغبة في التوقف عندها وسبر أغوارها واستخلاص الدروس والعبر منها . كانت عدن مرجل النضال السياسي وميدان التنافس الفكري والثقافي الحضاري ومرتع الاقتصاد الحر .
في تلك المرحلة شهدت المرأة العدنية نهوضاً سياسياً من خلال مشاركتها في التظاهرات السياسية والشعبية وكانت دائماً في مقدمتها دون وجل من رصاص عساكر السلطة الاستعمارية ، وقد سقط عدد من الشهيدات – للأسف لم يذكرهن التاريخ الذي كتب بأيدٍ ذكورية – وإنني أتذكر إحداهن وتدعى لطيفة ، فقد كانت جارتنا في الحي الشعبي البسيط وأتذكر حماسها الوطني وروحها الوثابة للنضال ضد المحتل رغم صغر سنها الذي ربما لم يتجاوز حينها السادسة عشرة وخروجها في مقدمة إحدى المظاهرات المناهضة للاحتلال في بداية عام 1967 م يومها فاجأتها رصاصة أحد القناصة الإنجليز لترديها شهيدة الوطن ، ولا أظن أحداً يتذكرها غير أهلها الفقراء – الذين كانت تعتبر المعيلة الوحيدة لهم ، فقد كانت تعمل كجندية في مركز شرطة مدينة كريتر. واقتصر النشاط السياسي للمرأة في مدينة عدن على العمل السري بين النساء و الطالبات وإنشاء الخلايا السرية ونقل المنشورات والمطبوعات السياسية السرية من وإلى الفدائيين والناشطين السياسيين المناوئين للاحتلال وبث الحماس الثوري بين صفوف النساء في البيوت ونشر الوعي السياسي في صفوفهن . ويبرز دور المرأة العدنية في دعم الحركة العمالية و النقابية .
وفي تلك المرحلة أيضا أدركت المرأة أنها عضو فاعل في المجتمع له حقوق وعليه واجبات من اجل التحرر والبناء , فخاضت غمار الحياة العملية وطالبت بفتح مجالات العمل المختلفة أسوة بالرجل وقبل ذلك طالبت بحقها في الحصول على الشهادات العلمية في المراحل التعليمية العليا , وان تطلب الأمر السفر إلى خارج البلاد لتلقي العلم مثلها مثل طالب العلم من الذكور.
رفضت المرأة اليمنية في مدينة عدن أن تبقى أسيرة السلك التعليمي دون غيره من مجالات العمل وبكل ثقة وبرباطة جأش طرقت أبواب العمل المختلفة فأضحت الممرضة والطبيبة والمضيفة في الطيران والموظفة الإدارية في الشركات والمحاسبة في البنوك.. الخ . وكانت تلك إرهاصات ريادية بتنامي وعي المرأة.
وجاءت مجلة فتاة شمسان لتؤجج حماس المرأة وتحفزها على المضي قدما . فقد اهتمت المجلة بأوائل العاملات اللاتي يعتبرن رائدات في مجالات العمل المختلفة, فكتبت عن مضيفة الطيران الأولى نبيهة محمود مرشد التي التحقت في خطوط عدن الجوية في نهاية عام 1960م , فنشرت خبرا في صفحتها الأولى من العدد الأول الصادر في 1/1/1961م مرفقا بصورة للمضيفة . وفي العدد الرابع 1/4/1961م نشرت المجلة أيضا خبرا في صفحتها الأولى عن التحاق أول فتاة عدنية في حقل الاتصالات السلكية مع صورة لها وهي تؤدي عملها كعاملة تلفون في إدارة التلفون . أما الفتاة فهي رجاء لقمان وقد جاء في سياق الخبر "إن هذه العاملة الرائدة مسوؤلة عن الاتصال الخارجي وهي تصل عدن بالعالم في إدارة التلفون" . وقد أجرت المجلة لقاءً قصيراً مقتضبا مع هذه الرائدة . وفي ذات العدد في الصفحة(11) تحت عنوان" إقبال الفتاة العدنية على العمل" نشرت المجلة مقال غير مكتمل حول إقبال ثلاث فتيات عدنيات على العمل في عدد من الشركات , وطالب المقال , الخالي من اسم كاتبه , بضرورة توظيف الفتاة العدنية في الإدارات الحكومية المتعددة والمستشفى والشركات الأخرى وكذا شركة خطوط عدن الجوية التي طلبت ، من خلال إعلان نشرته في المجلة ، توظيف إحدى عشرة فتاة للعمل كمضيفات وكاتبات ، ويواصل المقال " وهنا تقع مسؤولية إدارة المعارف فإن جميع الشركات والإدارات الحكومية والبنوك والإذاعة تشترط إن تكون الفتاة حاملة شهادة الثقافة العامة وإلى الآن مع الأسف الشديد لا نستطيع أن نفخر إلا بست فتيات يحملن هذه الشهادة .
وقد حرصت فتاة شمسان على نشر نماذج من النساء العاملات في مختلف ميادين العمل في العالم كشكل من أشكال التحفز على تغيير الواقع في المجتمع اليمني وكانت السيدة ماهية نجيب أول من كتب بحثاً عن وضع المرأة في عدن. والحقيقة لأهمية ما جاء في هذا البحث فانه يعد وثيقة تاريخية ومرجعية يمكن العودة إليها في الكتابة عن تاريخ الحركة النسائية في عدن. وقد تم نشر هذا البحث , والذي اسميه" تقرير شامل عن الحركة النسائية " في حلقتين متتاليتين في العددين السادس والسابع للمجلة لعام1961 م . وفي سياق هذا التقرير تذكر السيدة ماهية نجيب في القسم الخاص ب " المرأة العدنية العربية العاملة " مايلي : "إن عدم انتشار الوعي القومي بين صفوف النساء والحجاب والجهل المتفشي بين نساء الجيل القديم اضعف مركز المرأة عندنا ولكن عل الرغم من ذلك فالمرأة في عدن قد شقت طريقها في خلال السنوات العشر الأخيرة فدخلت حقل العمل ومنهن من اصبحن مدرسات ومنهن من اصبحن ممرضات وعددهن(132) وعاملات تلفون وعددهن(3) وادارة البلدية وعددهن(105) وهؤلاء من طبقة الاخدام .. وهناك سبع في إدارة الصحة المحلية وهناك عاملات في السجن وواحدة تعمل في الإذاعة وواحدة في المطار وثلاث في البنك الشرقي وواحدة في البنك العري وسبع في سينما بلقيس".
لم تكن مهنة التمريض من المهن المرغوب فيها في مدينة عدن ، وتحديداً لم تكن الأسر العدنية تسمح لبناتها بممارستها ذلك لأنها من المهن التي تتطلب المبيت خارج البيت ، لذا لم يكن يمتهنها سوى قلة من أبناء عدن المعوزين والنازحين من شمال اليمن ، كما تم استجلاب عدد من العناصر النسائية من الهند للعمل كممرضات وقابلات وفي مجال الأمومة والطفولة وكذا استخدام أبناء المهاجرين الصوماليين المستوطنين عدن منذ زمن طويل ، وتشكل نسبة النساء أعلى من نسبة الرجال تقريباً . وكان مستشفى الملكة اليزابيث الأكثر استيعاباً لهذه القوى العاملة لحداثتها ولكبرها ، إذ اكتمل بناؤه عام 1956 م . وقد أولت السيدة ماهية نجيب هذه القضية جل اهتمامها فكانت تحث الأسر العدنية من خلال كتاباتها أو من خلال نشرها لكتابات الآخرين عن أهمية مهنة التمريض كمهنة إنسانية بحثة ، وتدعو الأسر إلى السماح لبناتها بامتهانها ، وكانت كثيراً ما تقوم بنشر تجارب نسائية عالمية في هذا المجال في مجلتها، حيث أفردت بعض صفحاتها للتعريف بالممرضة فلورنس المعروفة ب"نايتانجل" وكلارا بارتون مؤسسة جمعية الصليب الأحمر الأمريكية وغيرهما . وفي عددها السادس الصادر في 1 / 6 / 1962 م جاء في سياق افتتاحية " فتاة شمسان " الموسومة ب" تعليم الفتاة " : " ... أما عن الممرضات فقد علمنا من مصدر مسئول أن الفتاة لا يمكن أن تؤهل نفسها للسفر للتدريب إلى بريطانيا إلا إذا تحصلت على مستوى شهادة الثقافة العامة ولكن لنا ملاحظة واحدة كيف ذهب الرجال في إجازات علمية للتخصص في التمريض ولم يشترط عليهم الحصول على هذه الشهادة فنحن نعرف أن الدورة التدريبية للتمريض تستغرق ثلاث أو أربع سنوات في بريطانيا فهل لإدارة المعارف أن تدرس هذه المسألة لأننا في حاجة إلى ممرضات عدنيات متدربات تدريباً عالياً في بريطانيا " . ولعل ما دفع السيدة ماهية نجيب إلى تناول هذه القضية هو حرمان ممرضة عدنية من التأهيل في الخارج في مجال التمريض ومنح الفرصة لممرضة أجنبية – وإن كانت من مواليد عدن – في الوقت الذي تطالب بفتح المجال للفتاة العدنية للالتحاق بمهنة التمريض وتغيير الصورة التي يحملها الناس عنها . وفي العدد التاسع الصادر في 1 / 9 / 1962م نشرت المجلة في الصفحة الثانية عشرة مقال طويل شغل ثلاثة أرباع الصفحة – بدون اسم كاتبه – تحت ثلاثة عناوين رئيسية وعريضة :
 ممرضة عدنية متدربة تفوز بمقعد في دورة تدريبية
 بعد التخرج في الخارج في وجه منافسة عالمية
 لماذا لم تبعث الحكومة بهانم توفيق ؟

تحدثت المقالة عن اجتياز إحدى بنات مدينة عدن , وتدعى زينب عبد الكريم علي لالجي ( وهي من أصل هندي ) امتحان الدورة التدريبية في التمريض بنجاح والتي استمرت عاماً كاملاً في الكلية الملكية للممرضات في مدينة لندن ، فيما كانت فتاة عدنية عربية ، وهي من أوائل الممرضات العدنيات في مستشفى الملكة اليزابيث بعدن ، حاصلة على دورة تدريبية في التمريض عام 1956 م في ذات المستشفى صاحبة الحق في ابتعاثها لهذه الدورة بدلاً عن الأجنبية . كان بإيجاز ما حمله المقال من انتقاد للحكومة المحلية التي لم تعط فرصة التأهيل للكادر النسائي العدني العربي ولم تمنحها أجازه علمية في التمريض كما منحتها للفتاة الهندية ويختم المقال : " إن بلادنا في حاجة إلى ممرضات متدربات من الخارج وهانم توفيق لها الحق في الحصول على أجازه علمية في التمريض " . كما نشرت المجلة في عددها العاشر في نفس العام وفي صفحة " المرأة في العالم " خبراً عن أول مؤتمر للممرضات في الشرق الأوسط والذي انعقد في بيروت عام 1962 م بحضور حوالي 350 ممرضة يمثلن سبع منظمات للتمريض في لبنان ومنظمات أخرى للتمريض في مصر والعراق والكويت والأردن والبحرين .

الفصل السادس

ماهية نجيب السفيرة :
كان الحضور الأول للسيدة ماهية نجيب خارج الوطن في الجمهورية العربية المتحدة حيث شاركت بدعوة من منظمي المؤتمر الأول لنساء آسيا وأفريقيا في فعاليات المؤتمر الذي انعقدت أولى جلساته في 15 يناير 1961م في القاهرة برآسة السيدة كريمة السعيد بحضور ممثلا ت 61 دولة من القارتين . وكانت السيدة ماهية حضرت المؤتمر ممثلة للجمعية العدنية للنساء ترافقها الآنسة قدرية الحازمي ، عضو سكرتارية الجمعية . ويتجلى نشاط السيدة ماهية نجيب في دورها الفاعل من أجل تقريب المسافات بين الجمعية العدنية للنساء والمنظمات النسائية العربية المختلفة حيث لعبت دور الوسيط بين الجمعية وهذه المنظمات كونها، أي ماهية نجيب ، نسجت أواصر الصداقة بعدد من الشخصيات النسائية الاجتماعية خلال زياراتها المتكررة إلى عدد من البلدان العربية وغير العربية و كانت على رأس قائمة الصديقات والمعارف الصحفية المصرية المعروفة السيدة نفيسة الصريطي . إلا أن للسيدة رقية محمد ناصر المعروفة بأم صلاح ، رئيسة الجمعية، دور في تعريف الآخرين في الخارج بالجمعية ومنا شطها من خلال العلاقات الاجتماعية الخاصة ببعض العناصر النسائية الغربية النشيطة في قضايا المرأة .
كان لمؤتمر نساء آسيا وأفريقيا الأول الأثر الكبير في نفس السيدة ماهية نجيب مما كون لديها الصورة الحقيقية للمرأة العربية وعزز في أعماقها فكرة النضال من أجل انتزاع حقوق المرأة السياسية ودفعها إلى نهج خط جديد في مسارها الإعلامي لم يسبقها في أحد ، وسنأتي على ذكر ذلك لاحقاً .
كما حملت السيدة ماهية نجيب مطالب المرأة العدنية إلى لندن لتثيرها أمام "ريجنالد سورنسن" أحد زعماء حزب العمال البريطاني الحاكم عضو مجلس العموم لمقاطعة "ليتن" الذي زار عدن مرات عدة وألف كتيباً من ثلاثين صفحة بعنوان " عدن والمحميات واليمن " تناول فيه وضع المرأة في عدن مشيداً بدور السيدة ماهية نجيب الصحفي واصفاً إياها بالعصامية منوهاً إلى أنها أول امرأة في جنوب الجزيرة العربية ترأس مجلة . . وقد جاءت زيارة السيدة ماهية إلى لندن بدعوة من مكتب النشر المركزي للحكومة البريطانية مع عدد من صحفيي البلدان الأخرى المستعمرة بريطانياً برفقة مؤسس ورئيس تحرير صحيفة الطريق ، وهو كذلك من أقاربها .

شاركت السيدة ماهية نجيب في العديد من المؤتمرات والمحافل العربية والأجنبية الخاصة بالنشاطات النسوية والإعلامية . وكانت بحق سفيرة المرأة العدنية العربية الناطقة باسمها التي لا تألُ جهداً في البحث عن وسائل تقريبها بأختها المرأة العربية والغربية والاستفادة من خبراتهن وتجاربهن في مجالات التعليم والعمل وفي صعد أخرى . كما كانت السيدة ماهية تبذل قصارى جهودها لتحقيق رغبتها في هذه المشاركات لإدراكها الواسع بأهميتها وذلك لتتمكن من التعريف بالمرأة العدنية ودورها في المجتمع والتعبير عن آرائها ونقل ما ترفعه من مطالب مشروعة كحقها في التعليم والتحرر الاقتصادي ، علماً أنها كانت تدفع من مالها الخاص لتغطية تكاليف السفر. فقد شاركت في مؤتمر الاتحاد النسائي العربي في بيروت والمنعقد من 27 – 30 نوفمبر 1962م ممثلة للجمعية العدنية للنساء . وكان المؤتمر خرج بقرارات وتوصيات موزعة على ستة محاور وهي : قرارات خاصة بالتعليم وقرارات خاصة بحقوق المرأة السياسية وما في حكمها وقرارات خاصة بالمنظمات النسائية المحلية والدولية وقرارات خاصة بمصوغ المرأة العربية وقرارات خاصة بالأحوال الشخصية . أما التوصيات فكانت خاصة بمكتب الاتحاد النسائي العربي .
ألقت السيدة ماهية نجيب كلمة الجمعية العدنية للنساء بوصفها سكرتيرتها جاء فيها " .. وإن عدن هي مدينة الإشعاع الثقافي والعلمي والأدبي في جنوب الجزيرة العربية وهي اليوم بدأت تنفض عن أعينها غبار الماضي وبدأت تتحسس طريقها لتقف شامخة الرأس بين مجموعة الدول العربية قد بدأت الآن تعي حقها السياسي والاجتماعي في بلد أهمل حقوقنا السياسية مدة طويلة من الزمن فهي الآن تطالب بأن تنال المرأة العربية العدنية حقوقها السياسية كاملة حتى تستطيع أن تشترك في الحياة السياسية وتساهم في خدمة بلادها . أما في الحياة الاجتماعية فقد أصبحت لدينا منظمات نسائية تساهم في خدمة المرأة اجتماعيا وأدبياً وثقافيا فالجمعية العدنية للنساء تعمل الآن جادة على بناء دار لنا حتى يتمكن أعضائها من الاجتماع في دار خاص لهن وحتى يتمكن من العمل على رفع مستوى المرأة ... " . وكانت برفقة السيدة ماهية أختها السيدة سعيدة باشرا حيل التي كانت تشغل منصب نائبة رئيسة الجمعية العدنية للنساء . وكان لفيف من الشخصيات النسائية العربية المثقفة حضر ذلك المؤتمر أمثال السيدات سهير القلماوي وأمينة السعيد وأنيسة نجار والآنسة ابتهاج قدوره رئيسة الاتحاد النسائي العربي والسيدة ناهد سري رئيسة الاتحاد النسائي المصري . وسنأتي لاحقاً على تأثير هذه المشاركة وغيرها من المشاركات الخارجية على السيدة ماهية نجيب وانعكاس ذلك على كتاباتها وعلى سياسة المجلة بشكل عام .


الفصل السابع


التطورات اللاحقة في " فتاة شمسان " :

كان مؤتمر نساء آسيا وأفريقيا الأول الانطلاقة التي غيرت مسار فتاة شمسان ، وتجلى ذلك في أولى المواد الصحفية التي نشرت في مختلف صفحاتها من قبل عدد كبير من الكتاب والأدباء ومختلف المثقفين اليمنيين أمثال أحمد شريف الرفاعي وعبد الرحمن جرجرة ومحمد علي باشرا حيل وأحمد عوض بامطرف وغيرهم . وقد عادت السيدة ماهية نجيب من المؤتمر وهي مفعمة بالروح النضالية من أجل انتزاع حقوق المرأة السياسية ، لاسيما بعد أن التقت هناك بعدد من الشخصيات النسائية المثقفة والسياسية والإعلامية والتعرف على أوضاع النساء في بلدانهن ونضالهن في مختلف صعد الحياة . لذلك قررت السيدة ماهية أن تكرس ثمان صفحات من العدد الثالث من مجلتها الصادر في الأول من مارس 1961م – أي بعد عودتها من المؤتمر – والمكون من 23 صفحة للحديث عن المؤتمر . وفي ثلاث صفحات من العدد تكتب رئيسة التحرير خواطرها عن المؤتمر وعن لقاءاتها المختلفة بعدد من الشخصيات النسائية المشاركة وإعجابها بمستواهن الثقافية والفكرية . كما تحدثت في العدد عن زيارتها مع الوفود النسائية لبيت الزعيم العربي جمال عبد الناصر واستقباله لهن والتقاطها صوراً معه . كما تروي في خواطرها فترة إقامة الوفود النسائية في دمشق – التي كانت العاصمة الثانية بعد القاهرة أثناء الوحدة بين مصر وسوريا – وزيارة المواقع التاريخية القديمة والآثار العظيمة هناك . وتذكر السيدة ماهية نجيب كيف أن النساء المشاركات في المؤتمر خرجن في مظاهرة صامتة إلى شوارع القاهرة استنكاراً بوحشية الاستعمار في الجزائر والكونغو وتأييداً لقرارات الدار البيضاء المطالبة بتحرير شعوب آسيا وأفريقيا من الاستعمار الأجنبي . وتخلص إلى القول في ختام خواطرها " إن قيمة هذا المؤتمر تتلخص في عبارة واحدة هي تأكيده بأن المرأة هي الحياة كلها ... وأنها مقياس عظمة الشعوب وميزان حضارة الأمم وواضعي الحجر الأولى في أساس المجتمع ". أما الخمس الصفحات الأخرى فقد خصصتها للقرارات والتوصيات الصادرة عن المؤتمر . ولعل أهم ما جاءت من قرارات وتوصيات ما يتعلق بواقع المرأة الاجتماعي في البلدان العربية حيث طالبت بمنع الزيجات القهرية وتحديد سن أدنى لزواج الفتيات وعدم المغالاة في المهور وإلغاء بيت الطاعة وعدم استعمال حق الطلاق إلا بعد نفاذ محاولات الصلح وحضانة الطفل عند الأصلح من الزوجين ومراعاة حقوق المرأة في الميراث وكذلك مراعاة ظروف المرأة العاملة أثناء الحمل وبعد الولادة ... إلخ .
ولأول مرة في تاريخ الصحافة العدنية حمل العدد الخامس من المجلة الصادر في 1 مايو 1960م في الصفحة 23 موضوعاً ممهوراً ب(مواطنة عدنية) تحت عنوان " حقوق المرأة السياسية " جاء فيه " إننا من الآن نريد أن ننال حقوقنا السياسية وأن في جميع بلدان العالم تنال المرأة حقوقها كاملة إلا نحن ليس لنا حقوق مثلما للرجل " . وقد جاء الموضوع تعقيباً على حديث وزير المستعمرات البريطاني " أيان ماكلود " في مؤتمر صحفي كان عقده في عدن إثناء زيارته لها وذلك رداً على سؤال حول حقوق المرأة السياسية ، أنه خلال السنتين القادمتين سوف يطرأ تغيير يخص المرأة في عدن . وتضيف كاتبة الموضوع " ونحن يا وزير المستعمرات ويا حكومة عدن لنا حقوق كثيرة لم نتحصل عليها مثل بقية الأمم... " مختتمة القول " هل من العدالة والديمقراطية أن نعيش بعد منتصف القرن العشرين ونحن مسلوبات الحقوق الاجتماعية والسياسية " . كانت تلك المقالة الانطلاقة الأولى لطرح قضية حقوق المرأة السياسية ، ثم تبعتها كتابات عدة فتحت المجلة أمامها مجال النشر ، وشطح البعض في المطالبة بتغيير العادات والتقاليد المكبلة للمرأة . وبهذا تكون السيدة ماهية نجيب ومجلتها أول من نادى بتحرير المرأة وبضرورة نيل حقوقها السياسية في اليمن قاطبة . ولشدة تمسكها برأيها إن كان صائباً وعدم تقديم أية تنازلات في قضايا المرأة فقد كانت توصف بالمرأة العنودة ، كما كانت ذات قدرة عجيبة على إقناع الآخرين برأيها . وكانت تسافر دائماً إلى المحميات الشرقية والغربية لتلتقي بسلاطينها وحكامها وتناقشهم في قضايا تعليم البنت والانعتاق من بعض التقاليد البالية التي تحرم المرأة من حقوقها . ولنتصور شجاعة هذه المرأة التي تفتح أبواب الحوار في مثل هذه القضايا في ذلك الزمن وفي مجتمع غير المجتمع العدني المتميز بانفتاحه وتقبله لهذه المواضيع . وقد أكدت لنا السيدة سعيدة عمر جرجرة ( سعيدة باشرا حيل ) بأن أختها كانت معروفة بجرأتها وعدم خوفها من مناقشة قضايا المرأة الشرعية طالما هي مقتنعة تماماً بما تقول ، لذا كانت تفرض احترام الآخرين لها . وكان أحدهم – كما أسلفنا القول – زعيم الحزب العمالي البريطاني .
واصلت مجلة فتاة شمسان نشر رسالتها التوعوية في قضايا المرأة من خلال مختلف الكتابات الصحفية طوال السنوات اللاحقة . فهذا مثلاً أحد الكتاب الدائمين في المجلة وهو محمد عبده طني يكتب في العدد العاشر ( 1 أكتوبر 1961م ) مقال طويل تحت عنوان " المرأة والسياسة " مطالباً المرأة العدنية بدراسة ظروف بلادها أولاً دراسة عميقة وأن تلم بما يحيط ببلدها ومن تم السعي من أجل نيل حقوقها السياسية والمشاركة في رسم وتخطيط سياسة البلد من خلال الانتخاب وطالب أيضاً بعمل المرأة في الجندية .
وقد نشرت مجلة فتاة شمسان في بعض أعدادها سير لنماذج من النساء الأوروبيات والأمريكيات اللاتي سعين إلى تسنم المناصب الحكومية الرفيعة والمراكز القيادية في الحقلين السياسي والاقتصادي.
في العدد الأول من السنة الثالثة للمجلة والصادر في 1 يناير 1962 م والذي وصف بالعدد الممتاز حسب ما جاء في مانشيت الصفحة الأولى ، وقد كتب السيد عبد الرحمن جرجرة أعلى صورة شغلت نصف الصفحة ( تظهر فيها السيدة ماهية نجيب وسط مجموعة من أعضاء البرلمان البريطاني ورجال الصحافة من القارة الأفريقية الذين وجهت إليهم دعوة لزيارة بريطانيا فيصيف 1961 م ) مهنئاً المجلة وصاحبتها ولوجها العام الثالث قائلاً " لقد ضربت "فتاة شمسان" المثل الأعلى في إنهاض العدنية ودفعها قدماً لتتبوأ مكانها بين بنات جنسها من شعوب العالم كما كانت السفيرة المخلصة لها في المجالس النسائية الدولية وفي بلدان عدة وكانت العدنية الأولى التي طالبت بجرأة وإيمان من أجل حق العدنية السياسي في أروقة البرلمان الإنجليزي عندما دعيت رسمياً لزيارة بريطانيا في الصيف الماضي " . وكان عبد الرحمن جرجرة الشخصية السياسية والاجتماعية المعروفة في عدن والأخ الأكبر للسيدة ماهية نجيب الموجه والمحفز الأول لها في خوض تجربتها الصحفية ونشاطاتها الاجتماعية .
وكان العدد " الممتاز " للمجلة ولأول مرة رفع شعارات تطالب المرأة العدنية بانتزاع حقها السياسي ، ففي الصفحة الرابعة عشرة نشر نداء في الزاوية اليمنى منها بمقاس ( 4x6 ) يقول " أيتها المرأة العدنية العربية لا تتهاوني بحقوقك السياسية المشروعة يجب أن تطالبي بحقوقك الانتخابية ، إن بلادك مقبلة على تطور دستوري وحكم وطني .. أيتها المرأة إن زمان الذل قد ولى وانقضى " . وما فتأت المجلة تنبري مطالبة بحقوق المرأة السياسية وبضرورة تعليم الفتاة العدنية .
وفي السنة الرابعة للمجلة صدر العدد الأول في يناير 1963 م حاملاً على يمين صفحته الأولى صورة لفتاة مهنئاً إياها لحصولها على شهادة المحاماة من لندن . وقد جاء في الخبر المنشور أسفل الصورة التي احتلت نصف الصفحة تقريباً " أخيراً اصبح لعدن محامية عدنية وقد تخرجت من لندن وسوف تشهد محاكم عدن أول عدنية تترافع في المحاكم وهي من مواليد 1942 م " . وكان اسم الفتاة زرينة كشاني ، ومن اسمها يتضح بأنها ليست من أصل عربي ، بل أن أسرتها تنتمي إلى أصول هندية استوطنت مدينة عدن ، ولأن الفتاة من مواليد مدينة عدن فقد أطلقت عليها صفة العدنية ، إذ كان كل من يولد في عدن يطلق عليه عدني ويعتبر مواطن له حقوق المواطَنة وعليه واجبات المواطن حتى وإن كان غير عربي الجنسية ، وأما من يولد خارج عدن ، وإن كان يمني الأصل ، فيعتبر أجنبي لا يتمتع بحقوق وواجبات المواطن ، لذا فإن أبناء شمال اليمن يسمون باليمنيين بينما تطلق صفة العدني العربي على كل من له جذور عدنية ضاربة في القدم ، هكذا كان يصنف المجتمع في المستعمرة عدن .
وفي الجانب الأيسر من الصفحة نقرأ موضوعا مطولاً استكمل في الصفحة الثانية من العدد ممهوراً باسم محمد علي باشرا حيل رئيس تحرير صحيفة الأيام " الملغاة " كما جاء بجانب الاسم ( ويبدو أن قراراً صدر بإلغاء أو إغلاق صحيفة الأيام من قبل السلطات الاستعمارية في تلك الفترة ) وقد جاء الموضوع تحت ثلاثة عناوين بارزة وهي " انتصارات ( فتاة شمسان ) ثلاث سنوات جدير بالخلود " و " ماهية نجيب رائدة تحرير المرأة في الجنوب العربي " و " المطلوب من " فتاة شمسان" المضي في العمل والتطوير " . ويستهل باشراحيل مقاله المستفيض حديثه عن الصحافة الحرة وخوضها معركة الحياة وتسجيلها " انتصارات مجتمع نفض عن كاهله غبار الكسل والجهل وصمم على أن يحيا حياة كريمة – حياة يضعها هو بقوة إرادته و مشيئته " . ويحاول الكاتب التطرق إلى الظروف السياسية التي تعيشها عدن في تلك الفترة ولكن بحذر شديد ملمحاً إلى معاناة الصحافة في عدن ، وقد استقرأنا ذلك من خلال استدراكه لما كان مزمع البوح به " وعلي أن أراعي ظروف المجلة والأهداف المحددة لها حتى أجنبها الوقوع في إشكال ، وما أكثر الإشكال في الظروف التي تمر بها الآن " . ويؤكد السيد باشراحيل على ضعف إمكانيات الصحافة العدنية وتقصيرها الفاضح تجاه المرأة المتمثل بعدم " الاهتمام بشئونها ومشاكلها كجزء من عملية التوعية العامة في محيطها باعتبارها جزءاً أساسياً هاماً يعتبر اليوم في حياة الشعوب مقياساً لوعي المجتمع ونضوجه ". وكان الهدف من هذا الاستهلال هو الإشادة بدور ماهية نجيب في الاهتمام بقضايا المرأة من خلال مجلتها مضيفاً " إن إقدام الزميلة ماهية نجيب على إصدار وتحرير أول صحيفة نسائية في هذا الجزء من الوطن عمل جدير بالخلود وليس هناك من هو أقدر على تسجيل عملها هذا من التاريخ وحده . ذلك لأنها عالجت نقصاً في الصحافة المحلية وملأت فراغاً ظل مجتمعنا بسببه مشلولاً لا يقوى على الانطلاق نحو عالم الغد الحر الطليق " . ويضيف " إن السيدة ماهية نجيب هي رائدة التحرر بالنسبة لقطاع المرأة في مجتمعنا وهي قائد ته دونما شك " .
والسيدة ماهية نجيب - كما أسلفنا- لم تتوان عن نضالها من أجل رفع شأن المرأة في عدن ، وكانت خير من يمثل المرأة في المحافل الخارجية المعنية بشئون المرأة ، وكانت تدفع من مالها الخاص لتسد بعض احتياجات تكاليف الرحلات الخارجية التي تمثل فيها نساء بلادها . حيث أن إمكانيات الجمعيات الأهلية في ذلك الحين لم تكن تمتلك أموالاً أخرى غير اشتراكات الأعضاء المتواضعة وبعض الدعم من رجال الأعمال أو أهل الخير المتبرعين بين الفينة والأخرى وهو بسيط جداً لايفي باحتياجات هذه الجمعيات ، لذا كان عدد من الجمعيات يقوم بتنظيم بعض الفعاليات الخيرية أو الفنية كوسيلة للدعم المالي . ولهذا السبب عندما تلقت جمعية عدن للنساء الدعوة لحضور المؤتمر النسائي العربي في بيروت لم تكن على استعداد لتغطية نفقات السفر والمشاركة، فأخذت السيد ماهية على عاتقها هذه المسئولية إضافة إلى تكاليف شراء الملابس الشتوية غير أن الجمعية قدمت لها مبلغاً ضئيلاً . وكان من عادة السيدة ماهية نجيب الصرف من مالها الخاص على بعض مناشط الجمعية كغيرها من النساء المقتدرات . والجدير بالذكر هنا أن السيدة ماهية لم تكن تحقق أرباحاً تذكر من وراء إصدارها المجلة بل كانت على العكس من ذلك أي أن المجلة كانت تكلف صاحبتها الكثير من النفقات عند إصدار كل عدد ، وبدون كلل أو ملل ثابرت هذه السيدة العظيمة على المضي في الطريق التي رسمتها لنفسها وكانت تصل إلى قمة السعادة في يوم ميلاد عدد جديد لمجلتها وحين ترى القراء يتهافتون عليه وحين تستلم المقالات والكتابات المختلفة من محبي " فتاة شمسان" . وكانت ماهية نجيب المحبة لعملها تعبر عن مشاعرها الفياضة تجاه مجلتها في رسائلها التي تبعتها دون انقطاع إلى صديقتها المخلصة والوفية الصحفية المصرية المعروفة نفيسة الصريطي التي لازالت تتذكر ماهية بقراءة رسائلها المحفوظة لديها حتى الساعة ولازالت تحتفظ بعلاقتها الوشيجة بعائلة صديقتها وخاصة بابنها محمد الذي يكن لها كل حب وتقدير .


الفصل الثامن

شهادات


ارتبطت السيدة ماهية نجيب بوشائج الصداقة والعلاقات الإنسانية بالعديد من العناصر النسائية اليمنية وغير اليمنية داخل وخارج الوطن . وقد شهد لها كل من عرفها بدماثة أخلاقها وبسعة أفقها وبذكائها المتقد وبنباهتها وحضورها .
تقول عنها السيدة أسمهان بيحاني – الإذاعية المعروفة في إذاعة عدن – إن لماهية نجيب الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في حصولها على العمل في الإذاعة حيث بدأت كموظفة في قسم الاستعلامات الهاتفية وكانت أول امرأة تعمل في الإذاعة عام 1960 م . إلا أن السيدة ماهية اكتشفت في اسمهان بيحاني موهبة التمثيل حين طلبت منها تأدية بعض الفقرات التمثيلية التي كانت تتخلل برنامج ركن ربات البيوت الذي كانت تعده وتقدمه مع عدد من المساهمات من العناصر النسائية النشيطة في الجمعيات النسائية ، وقد أثبتت الشابة اسمهان جدارتها في هذا المجال الذي استمرت في حتى يومنا هذا برغم ترقيتها في العمل إلى المكتبة الإذاعية . وتصف اسمهان بيحاني ماهية نجيب : " كانت امرأة هادئة لا تحب التحدث بصوت عال ولم تكن ترفع صوتها عند الغضب ، وكانت لا تبخل في مساعدة الآخرين ولها مواقف إنسانية عديدة في هذا الشأن " .
كما تتحدث عنها السيدة عزيزة عمر المعروفة ب( عزيزة عبد الله الحمزي، نسبة إلى زوجها كما جرت العادة في عدن ) وهي إحدى العناصر النسائية التي نشطت في الجمعية العدنية للنساء وفي المشاركة بإعداد وتقديم برنامجي ركن ربات البيوت و ركن المرأة مع السيدة ماهية نجيب في محطة عدن للإذاعة فتقول " كانت ماهية نجيب الشعلة الوقادة في الحركة النسائية في الستينيات من القرن العشرين ، وكانت تبذل كل ما في وسعها قبل صدور كل عدد جديد من مجلتها وكان ذلك يكلفها الكثير من المال ومن صحتها لأن كل همها أن تكون للمرأة في عدن مرآة تعكس طموحاتها وآمالها المستقبلية " .
أما السيدة خديجة جاوي ، وكانت إحدى صديقات السيدة ماهية نجيب ، فتقول " كانت امرأة رائعة وطيبة القلب .. ساعدت الكثير من الأسر الفقيرة من خلال إلحاق نسائها في برامج تعليم الخياطة ومحو الأمية التي تنظمها الجمعية العدني للنساء ، ولم تكن المرأة تواجه صعوبة في التفرغ لذلك إذ خصصت الجمعية غرفة واسعة لإيواء أطفال الأمهات أثناء ممارسة نشاطهن التعليمي والتدريبي وهذا لم يكن معروفاً لدى أية جمعية نسائية آنذاك بل ولا حتى يومنا هذا .. وأنا واحدة من هؤلاء النسوة اللاتي تعلمن فنون الخياطة في الجمعية وأصبحت إحدى الماهرات في هذا المجال أساعد زوجي في الدخل .. ماهية كانت صديقة عزيزة عليّ ، وأبداً لن أنساها ما حييت " .
وحدثتنا عن السيدة ماهية أيضاً السيدة نبيهة كليب المعروفة ب( نبيهة محسن ) والتي ذكرت كيف أن السيدة ماهية نجيب أخرجتها من حزنها العميق على أخيها الوحيد الذي توفاه الأجل في ريعان شبابه فكانت تسأل عنها دائماً وتقوم بزيارتها ، كما أنها اقترحت عليها مرافقتها إلى القاهرة أثناء المشاركة في مؤتمر نساء أفريقيا وآسيا عام 1961 م لتبتعد عن أجواء الحزن . وكانت للسيدة ماهية نجيب بصمتها الواضحة في خروج محدثتنا من قوقعتها بعد موت أخيها لتعمل بدلاً عنه في الأعمال التجارية الخاصة بالأسرة ، كما تؤكد لنا السيدة نبيهة أن لماهية نجيب الفضل في تقديم فقرات فن الخياطة والطبخ في تليفزيون عدن في برنامج دنيا المرأة ، وقد لمع اسمها خلال سنوات عدة حتى الثمانينات وبداية التسعينات في برامج المرأة والأسرة والأطفال التلفزيونية في اليمن .
تلك كانت شهادات حية لنساء عاصرن السيدة ماهية نجيب وذقن معها حلاوة ومرارة تلك الأيام ، وقد كانت أحاديثهن عنها ذات شجون إلا أننا لم نسجل إلا أهمها . ولكن يظل ما قالته لنا الصديقة الوفية لماهية نجيب التي لازالت تحتفظ برسائلها دون أن تترك الفرصة للزمن ليعبث بها ويضع آثاره عليها برغم مرور أكثر من عقدين عليها وهي السيدة نفيسة الصريطي التي عاهدتنا أثناء زيارتها في شقتها في القاهرة على إرسال نسخاً منها لنشرها في الكتاب . وكانت وهي تتحدث عن صديقتها كمن يتحدث عن إنسان عظيم لا يتكرر ، قالت بأنها لم تقابل امرأة في حياتها مشحونة بالحب لمهنتها وإقدامها على العطاء دون مقابل ، وأرتنا الدليل على أقوالها في سطور بعض رسائلها التي كأنما تفوح منها رائحة ماهية نجيب ورائحة عدن التي عشقتها .


المراجع :

1- سلطان ناجي ، التاريخ العسكري لليمن ، الطبعة الثانية ، بيروت 1988م
2- دراسات مختلفة قدمت إلى الندوة العلمية الأولى 15 -17 مايو 1999 م في جامعة عدن تحت شعار" عدن - ثغر اليمن الماضي- الحاضر- المستقبل" وقد نشرت في كتاب من جزأين عن جامعة عدن .
3- ل.ن كوتلوف، تاريخ الأقطار العربية المعاصر 1917م-1970م ( الجزء الأول ) .
4- أعداد مختلفة من مجلة فتاة شمسان للأعوام 1960م-1963م .
5- مقابلة إذاعية للسيدة ماهية نجيب أجراها معها الإذاعي حسين الصافي في برنامج ندوة المستمعين عام 1960م في محطة عدن للإذاعة .
6- رضية إحسان الله ، مولد الحركة النسائية في عدن ( مجهول عام الإصدار ودار النشر ) .
7- حوار صحفي مع المربية الأولى في عدن السيدة نور حيدر سعيد لصحيفة 14 أكتوبر( 13 مايو1992م ).
8- حوار صحفي مع الإعلامية اليمنية عديلة بيومي لمتابعات إعلامية ( العدد
9- مقابلة شخصية مع الأستاذ طه أمان محرر الصفحة الفنية في " فتاة شمسان " .
10- مكالمات هاتفية مع العديد من أقارب ومعارف السيدة ماهية نجيب .
11- مكالمات هاتفية مع السيدة نجوى نجيب - رحمها الله - الابنة الكبرى للسيدة ماهية نجيب أجريت عام 1996م .
12- مقابلة شخصية مع السيدتين سهام وناهد - رحمها الله - ابنتي السيدة ماهية نجيب في صنعاء عام 1997م .
13- مقابلات مع السيد محمد نجيب الابن الأصغر للسيدة ماهية نجيب .
14- مقابلة شخصية مع الصحفية المصرية السيدة نفيسة الصريطي في بيتها في القاهرة عام 2000م
15- مقابلة شخصية مع السيدة سعيدة باشراحيل الأخت الكبرى للسيدة ماهية نجيب في بيتها في عدن عام 1997م
16- مقابلات شخصية مع عدد من العناصر النسائية المشاركات في تظاهر الطالبات الأولى في عدن عام 1962م .
17- مقابلات شخصية مع عدد من صديقات السيدة ماهية نجيب في عدن .

. 8228 . Last modified on الخميس, 28 أيار 2015 23:18
عدن برس

Donec pulvinar, ligula sed volutpat rutrum, risus purus ullamcorper massa, at tristique risus nisi quis est. Suspendisse pharetra sagittis leo eget tincidunt? Maecenas ut consequat massa

www.smartaddons.com/

عدن برس فيديو

من نحن ؟

 عدن برس صحيفة إخبارية إلكترونية باللغة العربية -والانجليزية تأسست عام 2006 تصدر عن  مؤسسة عدن برس للاعلام .تتناول الأخبار و الأحداث المحلية  والأخبار ذات الصلة بالشأن في الجنوب واليمن بشكل عام والعربية والعالمية بحرفية عالية وحيادية واضحة وموضوعية لا لبس عليها، نراعي من خلالها مصداقية الخبر وانيته وسرعة  نشره بمنتهى المهنية

عدن برس

  • كلمة الموقع
  • أرسل خبر
  • تعازي 
  • تهانينا

ثقافة وفنون

برادفورد – لندن " عدن برس " خاص – النجم تشارلز ...
صنعاء – لندن " عدن برس " - ذهبت مثلما أتيت ...
دبي – لندن " عدن برس " - يدّعون الغرام وهو ...